
في لبنان، حيث تتصارع الأزمات السياسية والاقتصادية، يبقى التعليم أحد القطاعات الأكثر تأثرًا، ومعه قضية الأساتذة المتعاقدين التي تحولت إلى جرح نازف يعكس معاناة شريحة كبيرة من المجتمع اللبناني. هؤلاء الأساتذة الذين يشكّلون ركيزة النظام التعليمي في المدارس الرسمية، وجدوا أنفسهم في مواجهة واقع قاسٍ يراوح بين غياب الحقوق والمماطلة في إيجاد حلول جذرية.
أرقام من قلب الأزمة :
يشكل الأساتذة المتعاقدون ما يزيد عن 60% من إجمالي الكادر التعليمي في المدارس الرسمية اللبنانية، حيث يُقدّر عددهم بحوالي 35 ألف أستاذ، موزعين بين التعليم الأساسي والثانوي. هؤلاء يعملون بموجب عقود مؤقتة، ويتقاضون أجورهم على أساس الساعات التعليمية التي يقدمونها،ولكن في ظل الأزمة الاقتصادية الراهنة، باتت هذه الأجور أشبه بالفتات، إذ تراجعت قيمتها الحقيقية بسبب انهيار العملة الوطنية.
المشاكل التي يعاني منها الأساتذة المتعاقدون
أولاً، عدم الاستقرار الوظيفي :
يشكل هذا العامل الهاجس الأكبر لهؤلاء الأساتذة،فغياب التثبيت يعني أنهم يعملون تحت رحمة العقود المؤقتة التي تُجدد سنويًا، دون أي ضمان لاستمرارية العمل.
ثانيًا، غياب التغطية الصحية والاجتماعية:
معظم الأساتذة المتعاقدين محرومون من أي نوع من الضمانات الصحية أو التقاعدية، مما يتركهم عرضة للأزمات الصحية والمادية،رغم الجهود التي بذلت مؤخرا” لإيجاد حل لهذا الهاجس ،إلا أن المساعي ما زالت خجولة وغير نهائية .
ثالثًا، تأخر دفع المستحقات :
غالبًا ما ينتظر الأساتذة المتعاقدون شهورًا طويلة لتلقي أجورهم، ما يزيد من معاناتهم وسط الغلاء المستشري.
رابعًا، تأثير الأزمة الاقتصادية:
مع انهيار الليرة اللبنانية، فقدت الأجور قيمتها، حيث أصبح دخل الأستاذ المتعاقد لا يغطي أبسط احتياجات المعيشة.
خامسًا، غياب النقل اليومي :
تفاقمت المشكلة مع ارتفاع أسعار المحروقات، حيث باتت كلفة الانتقال إلى المدارس عبئًا إضافيًا على الأساتذة.
الحلول التي تم اقتراحها وإنجازها
رغم المماطلة المزمنة، شهد ملف الأساتذة المتعاقدين بعض التحركات وذلك بعد معارك طويلة خاضها الأساتذة و ممثليهم أبرزها :
– أُنجزت زيادات طفيفة على أجر الساعة في السنوات الأخيرة، لكنها لم تكن كافية لمجاراة التضخم.
– أُقرّ مرسوم يتيح للأساتذة المتعاقدين الاستفادة من بدل النقل اليومي، إلا أن تطبيقه يواجه تحديات مرتبطة بالتمويل.
– خلال العام الماضي، أُطلق برنامج دعم مالي للأساتذة بدعم من المنظمات الدولية، بهدف مساعدة القطاع التعليمي في ظل الأزمة. ومع ذلك، تبقى هذه الحلول ترقيعية ولا تعالج جذور المشكلة، خاصة مع غياب التثبيت الذي يعتبر المطلب الأساسي للأستاذ المتعاقد.
المطالب المحقة للأساتذة المتعاقدين:
يصرّ الأساتذة على تحقيق مجموعة من المطالب التي يرونها ضرورية لضمان استمرارية القطاع التعليمي:
1. التثبيت في الوظيفة عبر إجراء مباريات في مجلس الخدمة المدنية.
2. زيادة أجور الساعة بما يتناسب مع غلاء المعيشة.
3. تأمين تغطية صحية واجتماعية شاملة.
4. تسريع دفع المستحقات المالية لتجنب التأخير المتكرر.
5. توفير دعم حكومي للنقل اليومي، خصوصًا مع ارتفاع كلفة التنقل.
الحلول الممكنة لإنهاء الأزمة
تحتاج هذه الأزمة إلى حلول جذرية تتجاوز النهج التقليدي القائم على الوعود المؤقتة.
أولاً، ضرورة وضع خطة وطنية لإصلاح القطاع التعليمي تشمل التثبيت التدريجي للأساتذة المتعاقدين. يمكن تحقيق ذلك عبر إجراء مباريات دورية يتم خلالها إدخال المتعاقدين إلى ملاك التعليم الرسمي بشكل مرحلي.
ثانيًا، ربط أجور الأساتذة بمؤشر غلاء المعيشة، بما يضمن الحفاظ على قدرتهم الشرائية.
ثالثًا، تفعيل التعاون مع المنظمات الدولية لدعم قطاع التعليم، بحيث تُخصص المساعدات لتحسين ظروف الأساتذة وتطوير المدارس.
رابعًا، تطوير نظام إدارة المستحقات المالية، من خلال إنشاء آلية تضمن دفع الأجور بشكل دوري ومنتظم.
التعليم في خطر:
في بلد يعاني من أزمات سياسية واقتصادية خانقة، يبقى ملف الأساتذة المتعاقدين رمزًا لمعاناة اللبنانيين في القطاعات العامة. استمرار هذه الأزمة دون حلول حقيقية يهدد مستقبل التعليم الرسمي في لبنان، الذي يعتمد عليه عشرات الآلاف من الطلاب من العائلات ذات الدخل المحدود.
إن إنقاذ القطاع التعليمي يبدأ بضمان حقوق أساتذته. فالأستاذ الذي يدرّس الأجيال، لا يمكن أن يعيش بلا كرامة، ولا يمكن للتعليم أن يستمر في ظل إهمال حكومي مزمن.



