
هناك، على تخوم حدود هذا الوطن المنهوب مع العدو الإسرائيلي، لم يكن العيش يوماً طبيعياً ولا الخطر طارئاً عابرا”بل هناك وُلدت معادلة قاسية: إمّا الصمود في وجه الموت، وإمّا الذوبان في خرائط الآخرين ومن رحم هذه المعادلة الظالمة والقاسية خرج خيار المقاومة من رحم الأمهات الثكلى كفعل دفاعي مغمس بالدماء قبل أن يكون شعاراً سياسياً.
إسمع أيها العالم الشيعة في لبنان لم يختاروا الجغرافيا، ولم يختاروا دفن أطفالهم أشلاء لكنهم تحمّلوا تبعاتها الجائرة على مدى التاريخ قرى تعرّضت لأبشع الاعتداءات، عائلات دفعت أثماناً باهظة، وأجيال كبرت على صوت القصف. وفي ظل ميزان قوى يميل عسكرياً لمصلحة العدو، ومع محدودية قدرات الدولة اللبنانية، بدا واضحاً أن الدفاع عن الأرض لن يكون تقليدياً. فالشعوب حين تُحاصر ولا تملك جيوشاً جبّارة، تلجأ إلى أسلوبها الخاص: الاستنزاف، النفس الطويل، والإيمان بأن التحرير مسار قد يبدأ بجيل ولا يكتمل إلا على يد جيل آخر.
هذه ليست رومانسية سياسية، كل حركات التحرر الكبرى احتاجت إلى البقاء والصمود و الاستمرارية قبل أي شيء آخر لأن ما يبدو مستحيلاً في لحظة، قد يصبح حقيقة في لحظة أخرى.
لكن في مفهوم المواجهة الاستمرارية لا تقوم على العاطفة وحدها، بل على التمسك بالعقيدة والنهج و السير وفق خريطة طريق ثابتة هذا ما تعلمناه من التاريخ وفي التجربة اللبنانية، ارتبط هذا النهج الثابت باسم الرئيس نبيه بري، الذي رسم معادلة دقيقة جمعت بين مسار المقاومة الذي يعبر نحو طريق التحرير الذي يؤدي إلى طريق بناء الدولة .
في مدرسة نبيه بري المقاومة ليست بندقية فقط ولا صاروخ ولا مسيرة، بل أيضاً إدارة سياسية واعية تمنع انهيار الدولة لأن سقوط كيان الدولة، مهما كانت مثقلة بالأزمات، يعني سقوط جميع الرايات ، وفي مقدمتها راية المقاومة.
من هنا، يُقرأ إصراره على الترشح للانتخابات النيابية والاستمرار في قيادة ما يُعرف بالمقاومة السياسية، كقرار يتجاوز الحسابات الفردية. إنها معركة وجود سياسي في لحظة إقليمية ودولية معقّدة، حيث تمتلك المعارضة أدوات إعلامية مؤثرة وحضوراً دولياً لا يُستهان به. لكن خطورة المعركة لا تكمن في خصوم الخارج فقط، بل في أخطاء الداخل لذلك فإن أي ترشيح غير مدروس، أي اسم تحوم حوله شبهات، قد يتحوّل إلى خاصرة رخوة تُستهدف من قبل الطامعين برئاسة المجلس النيابي من خلال فتح الملفات واستحضار الماضي ويتحمل مسؤوليتها من رَوّجَ لها والبيئة الشيعية، التي تضم مئات آلاف المتعلمين في الداخل والاغتراب، لم تعد مستعدة للدفاع عن أخطاء شخصية لأي نائب حالي أو سابق تحت أي عنوان.
عباءة المقاومة التي هي أمانة الإمام الحسين وأمانة الإمام الصدر، في وجدان جمهورها، هي عباءة شرف وتضحية، لا درعاً يحتمي خلفه من تورّط في منفعة خاصة أو خالف القانون.
الرسالة اليوم واضحة: الحفاظ على النهج لا يعني الجمود بل على العكس،أصبح التجديد والإصلاح الداخلي ضرورة وضخ دماء شابة من مواليد جيل الألفين مواكبة للتطور و تحمل اختصاصات عليا ورؤية عصرية سيشكّل قوة دفع كبيرة داخل الطائفة.
و الإرتياح الكبير داخل البيئة عقب خطوات تغيير أولى داخل البنية التنظيمية للثنائي ، يجب أن تُستكمل قبل الإنتخابات ، لأن أي انطلاقة جديدة تحتاج إلى وجوه تعكس طموح المرحلة.
العلاقة بين الجنوب ونبيه بري، لن يكتبها التاريخ، علاقة قائد بجمهور فحسب، بل علاقة وفاء متبادل ، في محطات مفصلية، شعر كثيرون أن الرجل تمسّك بالجنوب حين تخلّى عنه العالم، ووقف في وجه ضغوط كبرى لحماية أمانة السيدين موسى الصدر والشهيد الأقدس التي علمتنا أن الجنوب ليس ساحة معركة فحسب، بل مدرسة صبر وإرادة. ومن رحم الألم خرج الأمل، ومن تحت الركام وُلدت قناعة بأن ما لا يتحقق اليوم قد يتحقق غداً. لكن الغد لا يُبنى بالشعارات، بل بالاختيار الصحيح… والاختبار الحقيقي يبدأ في صناديق الاقتراع بإنتخاب لأئحة رفع على سطرها الأول نبيه مصطفى بري أول المرشحين على درب التحرير الثالث.



