الجريدة

عندما يُقاس الدم بالراتب… يسقط المنطق أمام العقيدة

ليس من باب الخصومة، ولا من باب الإنكار، ولا من باب التنكّر للتاريخ والمواقف، نكتب اليوم إلى الوزير اللبناني السابق وئام وهاب بل من باب المصارحة القاسية التي تفرضها لحظة استثنائية، لحظة استشهاد قائد بحجم سماحة السيد حسن نصرالله، ولحظة محاولة البعض ربما عن حسن نية أو سوء تقدير إعادة تعريف الصراع بميزان لا يشبه ميزاننا.

نُدرك، كما يدرك الجميع، أن وئام وهاب يمثّل شريحة من الطائفة الدرزية الكريمة، وأنه رئيس حزب التوحيد، وأنه لطالما أعلن محبته الصادقة لسماحة السيد، وتحدّث مرارًا عن جلساته معه، وعن تأثّره العميق باستشهاده. وندرك أيضًا أن شريحة واسعة من الشيعة احترمته وأحبّته لأنه أحبّ السيد، وهذه ليست تفصيلة هامشية.

لكن ما بعد الاستشهاد ليس كما قبله:

بعد استشهاد السيد، اختار وهاب نهج “العقل البارد”: وقف الحرب، القبول بالأمر الواقع، الحديث عن تفوّق عسكري للعدو، والدعوة إلى أن لا يقاتل الشيعة وحدهم في مواجهة هذا العدو باسم الأمة العربية أو المليار مسلم . في آخر تصريحاته ذكر “منطقة اقتصادية في الجنوب”، مقرونة بلغة الأرقام: سبعة آلاف دولار راتبًا للشيعي.

وهنا، تحديدًا، يجب أن نتوقّف.

يا معالي الوزير،
عند الشيعة، القضية ليست مادية.
ولا تُقاس بالأرقام.
ولا تُختصر براتب، مهما كبر.

لا أحد، في هذه البيئة، يقدّم ابنه للموت، ويشيّع شبابه، ويحتمل الفقد والدمار، ليعود ويتنازل عن القضية مقابل وظيفة أو “فرصة اقتصادية”. هذا منطق قد يُفهم في عالم المصالح، لكنه يسقط بالكامل في عالم العقيدة.

نسألك بوضوح، وبجرأة:
هل كان سماحة السيد حسن نصرالله ليقبل بهذا الطرح؟

والجواب نعرفه جميعًا.

القاعدة عند الشيعة واضحة، غير قابلة للتأويل ولا للمساومة:
ما كان سيقبله السيد نقبله اليوم، وما كان يرفضه يبقى مرفوضًا إلى الأبد.

كيف لنا أن نوافق على ما رفضه السيد؟
كيف نقبل بما قُتل بسببه؟
كيف نُعيد صياغة الهدف بعد أن دُفعت أثمانه دمًا، ودمارًا، وأطنانًا من المتفجرات؟

هل دماؤنا أغلى من دمائه؟
هل تضحيات شبابنا أقلّ قداسة من حسابات “العقل”؟

نحن لا نكيل الأمور بميزان: أين مصلحتنا؟
نحن نكيلها بميزان: أين عقيدتنا؟ أين وفاؤنا؟

ونقولها بوضوح، من أهل الجنوب إلى من يتحدّث باسمهم أو حرصًا عليهم:
نحن لا ينقصنا المال.
وفي بيوتنا علماء، وأطباء، ومهندسون، وأكاديميون وصلوا إلى العالمية.
نحن نتخرّج من أرقى الجامعات، نحصد أعلى المراتب، ونحمل معنا عقيدتنا أينما ذهبنا.

نزرع الدخان كما نغرس الزيتون.
نعيش في أرضنا لا على هامشها.
ولا نبيعها، ولا نؤجّر دماءنا، ولا نستبدل السيادة بالرواتب.

وإذا كان هناك من يتحدّث عن “مناطق اقتصادية”، فليكن الكلام واضحًا:
أعيدوا مزارع شبعا، والقرى السبع، وانسحبوا منها، وتحت سيادة الدولة اللبنانية نصنع نحن مناطق اقتصادية، ونبني، ونزرع، ونحيا بكرامة.

يا معالي الوزير،
نُثمّن غيرتك، ونقدّر خوفك، ونحترم نيتك.
لكن اعذرنا إن قلناها كما هي:

أنت ترى بعين العقل…
ونحن وبين العينين، مسافة لا تُردم بالمال، ولا تُجسَّر بالمناطق الاقتصادية، بل تُحسم بالدم، وبالوفاء لمن سقطوا كي لا نسقط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى