
تنتشر في الآونة الأخيرة مقالات صحافية “قاتمة” عن مشروع تطوير المناهج التربوية في لبنان، وتحاول رسم صورة سلبية عن وجود فوضى إدارية، غياب الشفافية، وسيطرة المحسوبيات ولا نعلم إن كان الهدف التشويش على هذا المسار الإصلاحي التربوي و الحيوي.
يبدو أن البعض يحاول التجاهل عن قصد أن أي عملية إصلاح في لبنان تتضمن مواجهة عقبات وظروف استثنائية، ولا يمكن لأي شخص أو حتى لأي فريق مهما كان يملك من قدرات وكفاءة من تحقيقها بسبب التركيبة اللبنانية .ولذلك فإن عملية تطوير المناهج لا يجب أن يُقتصر تقييمها على العثرات الأولية بل يجب النظر إلى المسيرة بأكملها بروح التفاؤل والثقة ونجد أنه من الضروري أن يقوم الإعلام الهادف بدعمها ومراقبتها في آنٍ واحد و وضع بعض النقاط في سياقها الصحيح لتجنب الوقوع في فخ التشاؤم المطلق:
أولاً: لا يمكن إنكار أن قطاع التعليم في لبنان يرزح تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والسياسية وغياب التمويل من الدولة، ما يجعله عرضة للضغوط والتجاذبات التي تطال معظم القطاعات العامة إلا أن ذلك لا يجب أن يحجب حقيقة أن مشروع تطوير المناهج كان ولا يزال محاولة ضرورية لمعالجة الترهل الذي أصاب النظام التعليمي منذ أكثر من ربع قرن. فالمناهج الحالية، التي تعود إلى عام ١٩٩٧، لم تعد تلبي احتياجات الطلاب في عصر تكنولوجيا المعلومات والانفتاح العالمي حتى أن الدول المحيطة بنا أصبحت تسبقنا بأشواط في ذلك ،فهل يجوز التأجيل ؟
ثانيًا:رغم الانتقادات الغير بناءة والتي تذهب بعيدا” إلى درجة الإفتراء ، لا يستطيع أحد أن ينكر أن هناك جهود مبذولة من قبل عدد من الخبراء التربويين والممارسين الميدانيين الذين يواصلون العمل، غالبًا في ظروف صعبة، لتقديم مقترحات عملية ومحتوى تعليمي حديث.
إن “شماعة” التعيينات وتشكيل اللجان أصبحت خرقة بالية، صحيح أن بعض التعيينات قد تكون خضعت للتوزيع الطائفي والحزبي أو حتى للمحسوبيات وهذا أمر طبيعي في بلد مثل لبنان حيث إختيار لاعبي المنتخب الوطني لأي لعبة رياضية يخضع لذات المعايير ، وهذا دليل عافية لأن المشاركة الجامعة والثقة بين أبناء الوطن الواحد مطلوبة والمرفوض هو الإقصاء بهدف الإلغاء وهنا لا بد أن نسأل هل الإنتماء الحزبي أو الطائفي يلغي الكفاءة ؟ وهل وجود أحزاب وممثلي لهذه الأحزاب هو شيء سلبي في حين أن أكثر دول العالم تطورا” تحكمها الأحزاب ؟
ثالثا”: نسأل الإعلام الهادف والذي من المفروض أنه السلطة الرابعة هل يكفي توجيه الانتقادات فقط دون تقديم حلول واقعية وقابلة للتطبيق؟ هل علينا أن ننتظر عشرات السنين لبناء الدولة الفاضلة لنبدأ بعدها بتطوير المناهج !
كفانا “تنظير”و مزايدات فارغة على بعضنا البعض ،كلنا نعلم أن التطوير التربوي ليس عملية مثالية، بل هو مسار معقد يتطلب تضافر جهود جميع الأطراف المعنية من أجل تجاوز العقبات بدلاً من الاكتفاء بإلقاء اللوم.
رابعا”: جميعنا نعلم إن مشروع تطوير المناهج مدعوم بتمويل من جهات دولية مثل البنك الدولي، وهذا الدعم يحتاج ثقة المجتمع الدولي في الإمكانيات الكامنة بداخل النظام التعليمي اللبناني وعليه فإن مشاركة خبراء من مختلف المجالات والمؤسسات الأكاديمية والمهنية من القطاعين الرسمي والخاص، وعلى رأسها الجامعة اللبنانية والتعاون مع المفتشية العامة التربوية التي تواكب بدقة مسار عملية التطوير وكان لها دور بارز و فعال في الإضاءة على الملاحظات وإن أي تشكيك في الشفافية بوجود التفتيش التربوي مرفوض ودعم خطة المركز التربوي للبحوث والإنماء هو خطوة مهمة تهدف إلى استقطاب الخبرات المتنوعة لضمان شمولية التحديث.
ومن الطبيعي أن تواجه مثل هذه المبادرات تحديات تنظيمية في بداياتها وتضارب في الصلاحيات ، ولا بد من تنظيم آليات اتخاذ القرار ودور كل مؤسسة كي لا يتهم طرف بتهميش الآخر ،وفي النهاية هذا الإنجاز الوطني إن تحقق سيكون نجاحه ثمرة هذا التعاون بين كافة الأطياف التربوية .
في الختام، يبقى السؤال الأهم: كيف يمكننا تحويل هذا المشروع من فرصة مهدورة إلى إنجاز وطني؟
نحن نعلم أن الجواب يكمن في تعزيز المزيد من الشفافية والمساءلة، والانفتاح على كل الأصوات التربوية الصادقة، وتحييد التعليم عن الحسابات السياسية الضيقة ولكن في الظروف الراهنة حيث ما زالت الثقة بين اللبنانيين طور النمو هناك تحديات جسيمة، لكن المطلوب هو الدفع بإتجاه إنجاز هذه المناهج لأن الهدف هو إنقاذ طلاب لبنان و تحريرهم من قيود المناهج المهترئة وتزويدهم بشهادات ذات قيمة حقيقية تخولهم مواكبة التطور العلمي الحاصل وبناء الدولة القادرة.



