
ما يجري في جنوب لبنان يمكن اختصاره بمشهدية واحدة واضحة لا لبس فيها: سقوط أبرياء عُزَّل.
فبحسب التصريح الرسمي لرئيس الجمهورية، لم تُطلق رصاصة واحدة من لبنان، ما يعني منطقياً أن من يُقتلون اليوم ليسوا مقاتلين، بل مدنيون في قراهم وبيوتهم وأراضيهم. والقتل، في هذه الحالة، لا يمكن تفسيره إلا بوصفه فعلاً انتقامياً.
الدليل الأكثر فجاجة على ذلك هو أن الاستهداف يجري داخل القرى نفسها: ابن صور يُقتل في صور، ابن النبطية في النبطية، وابن بنت جبيل في بنت جبيل. لا خطوط تماس، ولا جبهات، ولا ساحات مواجهة، بل بيوت مأهولة وحياة يومية تُستهدف بلا تمييز.
وفق منطق العقل البشري البسيط، حين تصبح منطقة ما خطراً مباشراً على سكانها، يفترض أن ينزح أهلها بحثاً عن الأمان. غير أن هذا المنطق لا ينطبق على الجنوب، ولم و لن ينطبق في أي زمكان وإسألوا ١٧ أيار .
فالجنوب ليس مجرد جغرافيا، بل علاقة وجودية مع الأرض. أرض امتزجت بدماء أبنائها، وتحللت في ترابها أجساد من دافعوا عنها. كيف يمكن لإنسان جنوبي أن يهجر أرضاً ذاب فيها جسد ابنه؟
هنا يتحول البقاء إلى فعل مقاومة، ويغدو الصمود خياراً وجودياً لا شعاراً.
غير أن هذا الصمود، الذي هو فعل كرامة، جرى تفسيره لدى البعض على أنه خضوع أو استسلام. ومن هنا يبدأ الخلل الأخطر: استهانة بالدم، وتطبيع مع الموت.
حتى بات قتل الشاب الجنوبي أو البقاعي يمر كما تمر حوادث السير، أو أخبار الغرق، أو كأننا سنسمع به يوماً في تقارير علمية بعيدة عن الواقع أو ضمن حوادث ال NASA أو صفحات النعي في الصحف إن سمح لها نشر الإعتداءات على الجنوب دون تسطير مذكرات توقيف أو بحث ٍوتحرٍ في بلد التشليح الواضح والصريح والسلب في وضح النهار والحقوقة المسلوبة والأموال المنهوبة.
يُقتل الطالب، ويُقتل المعلم، ويُقتل المدير، فيما تستمر الحياة التربوية والسياسية وحضور المؤتمرات وشرب القهوة بالكراميل و بوفيه بالكرواسون السواريه وكأن شيئاً لم يكن.
و من لديه جولة استعراض سياسي يُكملها، ومن لديه عشاء فاخر يُقيمه، ومن حفظ سوق عكاظ و الخطابة يُحاضر بالصمود والوطنية ويذكرنا بمواضيع القراءة و أكتب عشرة أسطر عن إنجازاتك التي نسمعها ولا نراها ، متجاهلاً ألم الناس، وكأن الشعب بلا ذاكرة أو وعي.
الأخطر من ذلك، أولئك الذين يحاولون تجميل الواقع، ورسم صورة وهمية بأن كل شيء “يسير على ما يرام”. هذا السلوك لا يقل خطورة عن القتل نفسه، لأنه يقوم على أنانية تضليلية مقرفة ومقيته على أنقاض الحقيقة، وتلميع الذات على حساب معاناة الناس، وتزييف الألم بدل مواجهته أي إنجازات تطبلون لها والناس تحبس الجوع خلف ستار الكرامة ألا ترحمون؟!
من هنا، يصبح من الضروري إعادة وضع القضية في مسارها الصحيح:
لا يمكن أن تقوم قائمة للبنان فيما الجنوب طريح الجراح.
ولا يمكن لأي استحقاق رسمي صغيراً كان أم كبيراً أن يُمرَّر وكأن الدم تفصيل، والعدالة ترف.
العدالة ليست شعاراً، بل مبدأ دستوري:
عدالة تربوية، وعدالة اقتصادية، وعدالة اجتماعية، وعدالة وطنية.
وهي المدخل الوحيد لأي استقرار حقيقي.
الجنوب لا يتسول مساعدات لإعمار البيوت، ولا يتسول مناصب وزارية أو نيابية عاجزة عن الوقوف في وجه الإستعمار خوفا” من “سحسوح العقوبات”. ولسنا مستعدين لتكرار تجارب تفاوضية أثبتت فشلها، أو للدخول في اتفاقات تُترجم لاحقا” كما تشتهي السفن وكما يريد “الفاخوري” أن يضع أذن الجرة لن نلدغ من ال ١٧٠١ أكثر من مرتين.
الجنوب معروف بحدوده، وأرضه معروفة بمالكيها، وأشجار زيتونه معروفة بعددها. ولا تعنينا خرائط اقتصادية تُطرح كبدائل عن الحقوق، ولا نقايض العقيدة والدم لمعالجة أزمة دولة لم تفِ بالتزاماتها بدفع الديون والحفاظ على ودائع الناس ولم يعد لديها سوى “قطار التطبيع ” عله يعود عليها بحفنة من الدراهم .
لقد التزمت الدولة بخيار سياسي تفاوضي، تعهدت فيه بوقف إطلاق النار وكشف مصير الأسرى، مقابل عدم إطلاق رصاصة واحدة من الجنوب. وقد أُنجز الشق المطلوب من الجنوب، وجُرِّدت المنطقة من أي غطاء دفاعي بقرار سياسي كامل.
وعليه، فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الدولة وحدها.
أما سلخ الجنوب عن حقوقه في كل شيء، والإبقاء عليه فقط في الانتخابات والامتحانات، فهذا أمر مرفوض ولن يمر .
وكما نجح الطلاب بكرامة التضحيات، فإنهم قادرون إن اقتضى الأمر على المقاومة بأساليب معاكسة.
وإذا كان الشعار يوماً “النجاح من أجل الجنوب”، فقد يأتي يوم يُرفع فيه شعار “الرسوب من أجل الجنوب” والطلاب الذين لا ينامون قبل إنتهاء موجة الغارات ويعانون كما يعاني أهاليهم من حالات هلع دائمة ،قد سئموا من المواجهة في سبيل دولة لم تحترم التضحيات وقد يأتي اليوم الذي يعلمون الدولة درسا” ويطرحون الأسئلة ويصححونها ويتركوا التاريخ يرفع أسماء الناجحين وليسمع العالم :
الجنوب بدأ مساره، وسيُكمل ما بدأه.
والسلام.



