Uncategorizedلبنان

نواف سلام أدخل الجنوب أبا” وأخا” وقف على قبر شهيد

دولة الرئيس،حين تصل اليوم إلى الجنوب، لا تسأل عن إسم القرية ولا عن التوقيت فكل القرى هنا ثكلى ، لا تبحث عن برنامج الزيارة ولا عن الكلمات المناسبة، لأن الجنوب لا يحتاج خطاباً، بل يحتاج قلباً حاضنا” أُدخل هذه الأرض كما يدخل الأب بيتاً خسر أبناءه وبقي واقفاً كي لا ينهار أمام أطفاله الآخرين.يا دولة الرئيس في الجنوب لم يعد فيه الحزن حدثاً استثنائياً، بل حياة يومية. هنا، لا يُقاس الوقت بالساعات، بل بعدد الشهداء، ولا تُفتَح الصباحات على الأخبار، بل على أسماء جديدة تُضاف إلى لوائح الموت.

كل يوم غارة، كل يوم مسيّرة، كل يومٍ تشييع، حتى صار ارتداء الأسود فعلاً عادياً، وصارت ساحات القرى مساحات ذاكرة مثقلة بصور مئات الشباب الذين غابوا وبقيت وجوههم تراقبنا بصمت.الجنوب يا دولة الرئيس لم يطلب يوماً أن يكون ضحية، لكنه قُدِّر له أن يكون خط الدفاع الأول، فدفع الثمن كاملاً.

قُتل أطفاله ونساؤه، سقط قادته، دُمّرت قراه ومدارسه وبيوته، وبقي أهله تحت سماء لا تهدأ، يعيشون كل يوم على وقع الخطر، وفي ظل وضعٍ معيشيّ قاسٍ لا يليق ببلدٍ كان يوماً عنواناً للإنتصار.

ورغم كل ذلك، مشوا خلف الدولة لأن كرامتهم كانت دائماً أقوى من الجوع، وأعلى من البرد، وأثقل من أن تُستدرج إلى منابر السياسة أنظر في عيونهم ترى أنهم أخفوا وجعهم كي لا يُقال إنهم يبتزّون الدولة، وصمتوا كي لا يُتّهموا بأنهم يطلبون ما ليس لهم أو أنهم خرجوا عن عقيدتهم.

لكن هذا الصمت الطويل، يا دولة الرئيس، ليس رضى، بل وجعٌ مكتوم، وعتبٌ ثقيل من قلوبٍ تعبت من الانتظار.هؤلاء الناس يعتبون على دولة لم تُثمّن تضحياتهم، ولم تحترم شهادة شبابهم الذين وقفوا دفاعاً عن القرى حين غابت المؤسسات، ولم تُنصف صمودهم في وجه آلة القتل والدمار.

يعتبون لأن أبناءهم ليسوا أرقاماً في مجموعات الخبر العاجل، بل أرواحاً كان يجب أن تتحوّل إلى سياسات حماية، وإلى اعتراف رسمي، وإلى احتضان وطني لا موسمي.

نخاطبك اليوم،يا دولة الرئيس، كأب قبل أن نخاطبك كرئيس حكومة. كأب يعرف ماذا يعني أن يُرفع علم فوق نعش، وأن تُعلَّق صورة ابن على جدار القرية، وأن يُقال للأم إن ابنها “استشهد من أجل الوطن” ثم تُترك وحدها في مواجهة ظلم الحياة. الأوطان لا تُبنى بالدم وحده، بل بالوفاء لمن نزفوا من أجلها.يا دولة الرئيس، لا تنظر فقط إلى الركام، ولا تكتفِ بسماع التقارير إقرأ وجوه أطفالنا ستجد فيها حزناً عميقاً، وكبرياءً لا ينكسر، وعتباً لو نطق لهزّ ضمير العالم بأكمله.

يا دولة الرئيس لا تترك الجنوب قبل أن تقف على قبر شهيد .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى