
ليس نبيه برّي زعيمًا عاديًا في بلدٍ غير عادي وليس رئيس مجلس نوابٍ بالمعنى البروتوكولي البارد.
نبيه برّي هو أحد الأعمدة القليلة التي حملت هذا الكيان حين تكسّرت أعمدته، وحفظت توازناته حين جنّ جنون السياسة، واختارت العقل حين ساد الانتحار الجماعي.
منذ عقود، لم يكن برّي “زعيم الشيعة” فقط، بل كان ضمانة داخلية لكل مكوّن لبناني حين يُستهدف في أي إستحقاق وحول المجلس النيابي إلى موسوعة من التشريع.
وقف خلف بكركي في كل استحقاق رئاسي، لأن رئاسة الجمهورية ليست حصة طائفة بل رمز كيان.
وكان مع سعد الحريري كيفما دار، لا حبًا بالأشخاص بل دفاعًا عن التوازن الوطني وإحتراما” لشهادة رفيق الحريري.
حمى ظهر وليد جنبلاط في ساعات التخلي السياسي القاتلة، حين تُترك الزعامات وحيدة في مهب الريح.
و سهّل إقرار قانون العفو الذي خرج به سمير جعجع من السجن، لأن عزل الخصوم لا يبني دولة.
ودعا إلى جلسة انتخاب العماد ميشال عون، وأمّن نصابها، حين كان النصاب مستحيلًا.
وأدار استحقاق انتخاب جوزيف عون رئيسًا للجمهورية في أصعب الظروف، تحت النار حرفيًا، حين كانت الدولة تُنتخب على وقع القصف لا في الصالونات.
وسهّل تأليف حكومة نواف سلام، لأن الفراغ أخطر من أي تسوية مهما كانت عواقبها وفي لحظات جنون الحرب، حَمى كيان الدولة اللبنانية حين كان كثيرون يصفّقون لانهيارها.
اليوم، يحاول بعض الإعلام، وبعض الأصوات الموسمية، تصوير خلافٍ بين نبيه برّي والمقاومة وهذا ليس تضليلًا فقط، بل تزوير للتاريخ لأن نبيه بري هو روح المقاومة وعقلها ومتى فارق الجسد روحه وعقله حكم على نفسه بالفناء.
المقاومة وُلدت من رحم حركة أمل، وتربّت على أيدي نبيه برّي.والمقاومة نفسها، على لسان رئيس كتلتها النيابية محمد رعد، بايعت الرئيس برّي، لا حتى الموت فقط، بل بعد الموت.
وهذا ليس خطابًا عاطفيًا، بل إعلان سياسي واضح:
نهج برّي هو خيار المقاومة في رئاسة المجلس، اليوم وغدًا، وبعد أن يمدّه الله بالعمر المديد.
محاولات كسر هيبته، عبر تحرّك هنا أو مقال سطحي لآفة إعلامية هناك، أو التسويق لإمكانية انتخاب “شخصية شيعية بديلة”، لا تصرف في السياسة.
لأن نبيه برّي هو من أعطى رئاسة المجلس كيانها، ووزنها، وقوتها.
وقوته الحقيقية أنه يملك القرار الشيعي لا بالوراثة ولا بالقهر، بل بالشرعية السياسية المتراكمة.
اليوم، يخوض الرئيس برّي معركة سياسية كونية، عنوانها ثلاثية واضحة:
الإعمار – الأسرى – التحرير.
معركة تُدار بعناية الجرّاح، لا بانفعال الخطباء.
صحيح أن معادلات الردع لم تعد تحكم قواعد اللعبة كما في السابق،وصحيح أن العدو يصول ويجول من دون رادع كافٍ،لكن الموقف اللبناني ليس ضعيفً إنه غير مكتمل القوة.
وهنا، تُخاض السياسة لا بالشعارات، بل بالنَفَس الطويل، وبحسابات دقيقة، وبقدرة نادرة على تدوير الزوايا من دون كسر العمود الفقري للدولة.
نبيه برّي يحاول اليوم استخراج الإعمار والتحرير والانتخابات بولادة قيصرية،بما تيسّر من توفيق إلهي، وبما يسمح به ميزان القوى الدولي،من دون أن يُسقِط الجنوب،ولا أن يحرق الدولة،
ولا أن يفتح حربًا داخلية باسم الطهارة الثورية.
طبيعة هذه المعركة تجعل الرئيس برّي نقطة ارتكاز كل الاستحقاقات.
ولا يمكن، منطقيًا ولا وطنيًا، أن يكون ضد أي مكوّن داخلي بل عليه كما فعل دائمًا أن يُغلّب لغة الحوار والتواصل مع الجميع.
وإذا كان إعطاء الحكومة، أو أي مكوّن داخلي، “كوبونات سياسية” تعزّز موقعها أمام المجتمع الدولي،
وتُسهّل الهدف الأساسي: إعمار الجنوب،
فإن الغاية الجنوبية، هنا، تبرّر الوسيلة الوطنية.
نبيه برّي ليس مقاوما” ،على الورق والمنابر بل في الميدان أيضا”،و رجل دولة يعرف متى يقف، ومتى يتقدّم، ومتى يحمي ظهر الجميع كي لا يسقط الجميع.
من سيكتب التاريخ يوما” سيروي للجنوب أنه في زمن التفكك،نبيه برّي كان هو ذاكرة الدولةوفي زمن الجنون، بقي هو عقلها الأخير.



