
على مرّ التاريخ، كان الجنوب اللبناني مرآة لصمود الوطن ومسرحًا لأطماع الغزاة، حيث تتشابك قضايا السيادة مع الحقائق التاريخية والخرائط الملتبسة. اليوم، تعود مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وقرية الغجر إلى الواجهة كجرح مفتوح في قلب السيادة اللبنانية، فيما يطوّق الغموض حدودها وهويتها بين الوثائق الدولية وتاريخ الاحتلال.
مزارع شبعا:
أرض تتحدث لبنانية لكنها تسكن وثائق سورية!مزارع شبعا، تلك الرقعة الجبلية الخصبة الممتدة على أطراف الجنوب اللبناني، ليست مجرد مساحات ترابية. إنها قضية وطنية بامتياز، تختصر في معالمها حكاية أرض عالقة بين الأطماع الإسرائيلية والتراخي الدولي. يؤكد اللبنانيون أن مزارع شبعا جزء لا يتجزأ من ترابهم الوطني، مسلحين بخرائط قديمة وشهادات موثقة لأهالي المنطقة. ورغم انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان في عام 2000، بقيت المزارع رهينة الاحتلال الإسرائيلي بذريعة أنها جزء من الجولان السوري المحتل، حيث وجد العدو منفذًا لإبقاء قبضته على هذا الجزء الحساس استراتيجيًا.
تلال كفرشوبا: شاهدة على النسيان الدولي
أما تلال كفرشوبا، المرتفعة كشموخ الجنوب اللبناني، فقد تحولت إلى نقطة نزاع إضافية في الملف الحدودي. التلال، التي لطالما كانت رئةً لرعاة الماشية وأهالي القرى، أصبحت اليوم خنجرًا في خاصرة لبنان. الأمم المتحدة، بخطاباتها الحذرة ولغتها الملتبسة، ما زالت تتعامل مع هذه الأرض كجزء من الجولان، في ظل غياب أي ترسيم واضح بين لبنان وسوريا.
قرية الغجر: القرية التي لا تعرف هويتها!
في زاوية أخرى من الجنوب، تبدو قرية الغجر كحالة فريدة من نوعها. هذه القرية، التي تمتد أصول سكانها إلى الطائفة العلوية السورية، وجدت نفسها ممزقة بين ثلاث دول. فمنذ احتلالها في 1967، باتت الغجر تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة. ورغم أن الجزء الشمالي من القرية يقع ضمن الأراضي اللبنانية، إلا أن الاحتلال الإسرائيلي يرفض التخلي عنه، مكرسًا بذلك واقعًا مفروضًا يتحدى القوانين الدولية. أين الحقيقة؟ في كل مرة يُفتح فيها ملف هذه المناطق، تتقاذفه التحليلات والمواقف المتناقضة.
يقول لبنان بثقة إن مزارع شبعا وتلال كفرشوبا لبنانية القلب والهوية، فيما سوريا تقف على الحياد، مؤكدة أنها لا تعارض مطالب لبنان، لكنها لم تسلّم حتى اللحظة خرائط رسمية تقطع الشك باليقين. أما المجتمع الدولي، الذي تتزعمه الأمم المتحدة، فيغضّ الطرف عن الحقائق الجغرافية والتاريخية، ويعتبر هذه المناطق جزءًا من الجولان المحتل.
ما الحل؟
لا حل إلا بتوحيد الصفوف اللبنانية والتوجه إلى المجتمع الدولي بقضية واضحة المعالم. يجب على لبنان وسوريا الجلوس على طاولة واحدة لترسيم الحدود بشكل رسمي، فالقضية ليست فقط ورقة تفاوض مع العدو، بل مسألة سيادة تمسّ كرامة وطن. رسالة إلى الأمم إلى الأمم المتحدة نقول: ألا يكفي هذا الجنوب جراحه؟ كيف يُعقل أن تبقى خرائطكم أسيرة المكاتب، فيما شعب بأكمله ينتظر تحرير أرضه؟ ألا تدركون أن كل يوم يمر على الاحتلال هو طعنة في مبادئ العدالة التي تدّعونها؟
خاتمة حتمية
إن مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وقرية الغجر ليست مجرد أسماء على الخرائط، بل هي رمز للصراع المستمر بين الحق والقوة. هي امتحان لإرادة شعب يرفض أن يُحكم عليه بالتنازل. لبنان لن يتنازل عن شبر من أرضه، وسيبقى الجنوب،كما قال غسان تويني
“الجنوب هو رمز الحرية المجبولة بالتضحية، وهو الأرض التي كتب أبناؤها بدمائهم معنى الصمود والعزة. إنه الحارس الذي يذود عن الوطن، والأرض التي لا تعرف الخضوع مهما اشتدت الأزمات.”



