
منذ أن خطّ اللبنانيون خاتمة الحرب الأهلية في اتفاق الطائف عام 1989، دخلت البلاد مرحلة جديدة، حيث وُضع دستور يعيد صياغة موازين الحكم على أسس التوافق الطائفي. لكن هذا التوافق، الذي أُريد له أن يكون ضمانة للعيش المشترك، بات عبئًا على الدولة، إذ تحولت الحكومات اللبنانية إلى ساحاتٍ لتقاسم النفوذ، لا لممارسة الحكم الرشيد.
التأسيس على رمال متحركة
بعد الطائف، تغيّرت خريطة السلطة: أُعيدت صياغة الصلاحيات بين رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء، فتراجع دور الرئيس ليُمنح مجلس الوزراء مجتمِعًا صلاحيات تنفيذية كبرى. لكن هذه التعديلات، بدل أن تعزّز المؤسسات، أطلقت العنان لنظام المحاصصة الطائفية.
الحكومات اللبنانية بعد الطائف لم تكن حكومات حكم، بل حكومات إدارة أزمات، حيث تتصارع القوى السياسية والطائفية على الحصص الوزارية، فيما يبقى الشعب رهينة النزاعات.
المشاركون في صناعة الحكومات
منذ الطائف، شكّلت القوى السياسية الكبرى أعمدة الحكم. لكل فريق طموحه، ولكل طائفة حساباتها:
تيار المستقبل: قادته شخصية بارزة، الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي دخل الحكومات الأولى حاملًا مشروع إعادة الإعمار والنهضة الاقتصادية. لاحقًا، تولى نجله سعد الحريري الراية، محافظًا على مكانة التيار في الحكومات المتعاقبة.
حزب الله وحركة أمل: منذ البداية، كان الثنائي الشيعي شريكًا في الحكومات، متأرجحًا بين الحذر والمشاركة الفعالة.
حركة أمل تسلمت حقائب وزارية حساسة كوزارة المالية، فيما ركّز حزب الله على توسيع دوره السياسي بعد تعزيز قوته العسكرية.
التيار الوطني الحر: بقي التيار بقيادة العماد ميشال عون بعيدًا عن الحكومات لسنوات، معارضًا ما سماه “نظام الوصاية”. لكنه عاد بقوة إلى المشهد السياسي بعد تفاهم مار مخايل مع حزب الله، متصدرًا الحقائب الخدماتية الكبرى كوزارة الطاقة والخارجية.
القوات اللبنانية: بعد انتهاء الحرب، خرجت القوات من المشهد السياسي، لكنها عادت إلى المشاركة في الحكومات بعد عام 2005، حاملةً رؤية إعتبرتها إصلاحية، وإن بقيت في صدام دائم مع القوى الحليفة لحزب الله.
الحزب التقدمي الاشتراكي: بقيادة وليد جنبلاط، كان لاعبًا أساسيًا في الحكومات، مستفيدًا من التوازنات الطائفية والدور الحاسم للطائفة الدرزية.
الصراع على الحقائب:
بين السيادة والخدمات كانت الوزارات في لبنان أكثر من مجرد مواقع تنفيذية؛ هي مفاتيح السيطرة والنفوذ.
الوزارات السيادية: المالية، الدفاع، الداخلية، والخارجية، توزعت بدقة طائفية: المالية للشيعة، لضمان النفوذ والتوقيع في القرارات الاقتصادية. الداخلية للسنة، كمفتاح للتحكم بالأمن والإدارة.
الدفاع والخارجية غالبًا للمسيحيين، كرمزية للسيادة والدبلوماسية.
الوزارات الخدماتية: مثل الطاقة، الاتصالات، والأشغال، باتت هدفًا رئيسيًا للصراع، إذ تحمل في طياتها موارد مالية ضخمة.
المعارضة:
بين الإقصاء والمبادئ في حقبة الوصاية السورية (1990-2005)، كانت المعارضة محصورة بالقوات اللبنانية والتيار الوطني الحر، حيث رفضا الهيمنة على القرار اللبناني.
بعد انسحاب الجيش السوري، انقسم المشهد السياسي بين فريقين: فريق 14 آذار الذي عارض السلاح ونادى بالسيادة الكاملة. فريق 8 آذار الذي تمسك بخيار المقاومة وعمّق علاقاته بمحور الممانعة.
لاحقًا، برزت معارضة مدنية بعد احتجاجات 2015 و17 تشرين 2019، رفضت النظام الطائفي برمته واتهمت الطبقة السياسية بالفساد ولكنها سرعان ما رهنت نفسها للتدخل الخارجي وتحولت إلى معارضة رمزية تطلق الشعارات والمواقف على مواقع التواصل دون برنامج عمل وطني واضح .
أزمات التشكيل: حكومات تُولد من رحم العواصف
لم تعرف الحكومات اللبنانية بعد الطائف ولادة سهلة. كانت كل عملية تشكيل تمر بمخاض سياسي طويل:
حكومة السنيورة بعد أحداث 7 أيار 2008:
جاءت إثر اتفاق الدوحة، وحملت معها توازنًا مؤقتًا بين القوى السياسية.
حكومة الحريري 2018:
تعطلت لأشهر بسبب الخلاف حول تمثيل السنة المستقلين.
حكومات ما بعد 2019:
كانت أكثر تعقيدًا، وسط انهيار اقتصادي واحتجاجات شعبية واسعة، ما أدى إلى تشكيل حكومات تصريف أعمال أو حكومات مشلولة.
لبنان بين الماضي والمستقبل
بعد أكثر من ثلاثة عقود على الطائف، ما زالت الحكومات اللبنانية تعاني من أمراض مزمنة: التبعية للخارج، انعدام التخطيط، والانغماس في المحاصصة وبقي مشروع إلغاء الطائفية السياسية والعبور نحو بناء الدولة “حلما” على ورق”
لكن السؤال الأهم يبقى: هل يملك لبنان القدرة على إنتاج حكومة حقيقية تعكس إرادة شعبه بدل أن تكون انعكاسًا لصراعاته؟
كما قال غسان تويني يومًا: لبنان بحاجة إلى رجال دولة، لا إلى أمراء طوائف.



