Uncategorized

الجامعة اللبنانية: بحاجة إلى “إستراتيجية دفاعية” لربط الاختصاصات بسوق العمل وواجب دعمها

الدكتور علي مشيك

بما أن العلم سلاح وبما أننا في وطن يعاني من أزمات متراكمة، حيث البطالة تتفاقم والهجرة تستنزف طاقات شبابه أصبحنا بحاجة إلى استراتيجية دفاعية تعليمية حيث تقف الجامعة اللبنانية، الجامعة الوطنية الوحيدة، شاهدة على واقع التعليم العالي وهمومه.

إنها ليست مجرد مؤسسة أكاديمية، بل مرآة تعكس طموحات الوطن ومآسيه. لكن، هل لا تزال الجامعة اللبنانية قادرة على تحقيق رسالتها في تخريج أجيال تصنع الغد؟

الجامعة اللبنانية تضم اليوم أكثر من 70 ألف طالب موزعين على 16 كلية وثلاث معاهد، وأكثر من 50 فرعًا جغرافيًا في مختلف المناطق اللبنانية. يتولى التعليم والإدارة فيها حوالي 5000 أستاذ ودكتور، بينما يعمل في الإدارة والخدمات ما يقارب 2500 موظف. أما على صعيد الاختصاصات، فتقدم الجامعة حوالي 150 برنامجًا أكاديميًا يشمل مراحل الإجازة والماجستير والدكتوراه.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل تعلم تتماشى هذه الاختصاصات مع متطلبات سوق العمل المتغير؟

تأسست الجامعة اللبنانية كمنارة تعليمية هدفها الأساسي تمكين كل لبناني من حقه في التعلم. لكنها اليوم تواجه تحديًا وجوديًا يتمثل في فجوة آخذة بالاتساع بين ما تقدمه من اختصاصات أكاديمية وبين متطلبات سوق العمل.

منذ عقود، كان خريجو الهندسة، الحقوق، والآداب يجدون وظائفهم بسهولة، لكن عصر التكنولوجيا والابتكار حوّل بوصلة الطلب نحو مجالات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي، علوم البيانات، والطاقة المتجددة. وهنا تُطرح الإشكالية: هل أعادت الجامعة اللبنانية صياغة خططها الأكاديمية لتلبية هذه التحولات؟

إن الواقع يشير إلى أن العديد من الشباب اللبنانيين يحملون شهادات لا تتناسب مع احتياجات السوق. أكثر من نصف الخريجين يواجهون البطالة أو يعملون في وظائف لا تمت بصلة إلى اختصاصاتهم. فالمسؤولية لا تقع فقط على عاتق الدولة أو القطاع الخاص، بل تمتد إلى الجامعات التي عليها قراءة المشهد بواقعية، وتوجيه الطلاب نحو اختصاصات تتوافق مع احتياجات الاقتصاد المحلي والإقليمي. على سبيل المثال، بينما تعاني قطاعات مثل التكنولوجيا والصحة من نقص في الكفاءات، تستمر بعض الكليات بتخريج أعداد تفوق الحاجة من اختصاصات تقليدية. هذه الهوة ليست صدفة، بل نتيجة غياب استراتيجية تربط التعليم بالواقع. رغم هذه التحديات، لا يمكن تجاهل أن الجامعة اللبنانية تعمل في ظروف قاسية. إنها تعاني من نقص في التمويل، وتراجع في البنية التحتية، وهجرة للكفاءات الأكاديمية. ومع ذلك، تستمر في توفير التعليم لأكثر من 40% من طلاب التعليم العالي في لبنان، مما يجعلها العمود الفقري للتعليم العالي في البلاد.

دعم الجامعة اللبنانية ليس خيارًا، بل واجب وطني. إنه استثمار في مستقبل لبنان، في زمن بات فيه التعليم الملاذ الأخير لشباب يرزح تحت وطأة الأزمات. هذا الدعم يجب أن يكون شاملًا، يبدأ من تخصيص ميزانية عادلة، مرورًا بتحديث المناهج، وصولًا إلى خلق شراكات مع القطاع الخاص لتأمين تدريب وفرص عمل حقيقية للطلاب. الربط بين التعليم وسوق العمل ليس شعارًا، بل ضرورة وجودية.

يجب أن تعمل الجامعة اللبنانية على استحداث برامج متقدمة، وأن تؤسس لمراكز أبحاث متخصصة في القطاعات الناشئة، وأن تستفيد من خبرات المغتربين اللبنانيين الذين لمعوا في مجالات عالمية.

هذه الخطوات لن تأتي من فراغ؛ إنها تتطلب رؤية مشتركة بين الحكومة، الجامعة، والقطاع الخاص. رؤية تجعل من الجامعة اللبنانية مختبرًا للإبداع، ومن طلابها قادة تغيير لا مجرد متخرجين ينتظرون فرصة عمل قد لا تأتي.

في زمن الانهيارات، يبقى التعليم هو الجسر الوحيد نحو غدٍ أفضل. الجامعة اللبنانية ليست مجرد صرح أكاديمي، بل هي مختبر وطني لإعادة بناء لبنان. دعمها، تحديثها، وربطها بسوق العمل ليست شعارات، بل مفاتيح لإنقاذ أجيال تعبت من الانتظار.

ختاما” “إن الحلم لا يموت”، فلنحلم بجامعة لبنانية تعيد بناء المستقبل، جامعة تتخطى التحديات لتصنع من كل طالب فيها قصة نجاح جديدة، لا في الوطن وحسب، بل في العالم أجمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى