Uncategorized

تطوير المناهج التعليمية في لبنان: بين التحديات والطموحات

يواجه لبنان تحديات جذرية في النظام التعليمي، حيث أصبح تطوير المناهج ضرورة ملحّة لتلبية احتياجات الطلاب وسوق العمل، ومواكبة المتغيرات العالمية. المشروع الذي أُطلق منذ سنوات يشكل محاولة طموحة لتحديث المناهج في مختلف المراحل الدراسية، إلا أن نجاحه يعتمد على العمل المتكامل بين الجهات المعنية، والتمويل المستدام، والشفافية في التنفيذ.

الإطار الوطني للمناهج التربوية 1997-1924:

تم إعداد “الإطار الوطني للمناهج التربوية” في لبنان لأول مرة عام 1997، بعد إقرار وثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف) عام 1989. كان هذا جزءًا من مشروع إصلاح تربوي شامل لتطوير المناهج التعليمية بما يتماشى مع متطلبات بناء دولة حديثة متعددة الطوائف.هذا الإطار حدد المبادئ العامة للمناهج التربوية، بما في ذلك:

١.الوحدة الوطنية والعيش المشترك.

٢.تنمية القيم الديمقراطية والمواطنة.

٣ .تعزيز الانفتاح الثقافي والعلمي.

منذ ذلك الوقت، لم يتم تحديث الإطار الوطني بشكل شامل إلا مؤخرًا. ففي السنوات الأخيرة،

في عهد وزير التربية والتعليم العالي، الدكتور عباس الحلبي، استمرت جهود تطوير المناهج التعليمية في لبنان. في تشرين الثاني 2024، ترأس الوزير الحلبي اجتماعًا للهيئة العليا للمناهج التربوية، حيث نوقشت النسخة الأخيرة من الإطار الوطني للتعليم. هذا الإطار يهدف إلى تحديث وتطوير المناهج التعليمية بما يتناسب مع الاحتياجات الحالية والمستقبلية للطلاب.

إعادة إعداد الإطار الوطني للمناهج:

أُعد الإطار الوطني الجديد عام 2021 ليشكل مرجعية لتطوير المناهج، حيث ركّز على التعليم القائم على الكفايات. الهدف الأساسي كان نقل التعليم من النمط التقليدي القائم على الحفظ إلى نمط يشجع على التفكير النقدي، الابتكار، واكتساب المهارات العملية.

إجراءات التشغيل الموحدة:

في 2022، تم إقرار إجراءات التشغيل الموحدة التي تنظم مراحل العمل في المشروع، بدءًا من وضع الأهداف العامة لكل مادة، مرورًا بإعداد المعايير التفصيلية، وصولًا إلى تأليف الكتب والأنشطة التعليمية.

ورش عمل ومشاورات:

عقدت الحكومة والمركز التربوي للبحوث والإنماء عشرات ورش العمل التي جمعت خبراء تربويين، أكاديميين، وممثلين عن المدارس والجامعات. الهدف كان إشراك جميع الأطراف في المناقشات لضمان شمولية المناهج الجديدة وتوافقها مع الواقع اللبناني.

آلية العمل والتطوير يتطلب تطوير المناهج آلية دقيقة تشمل العمل على مراحل متتابعة:

١تشكيل اللجان:

– تم تشكيل “13 لجنة متخصصة ” لكل مادة دراسية، حيث تضم كل لجنة 10-12 خبيرًا تربويًا وباحثًا أكاديميًا. هؤلاء يعملون على إعداد الإطار العام للمادة، تحديد الكفايات، ووضع الأهداف التعليمية.

– تشارك أيضًا لجنة خاصة للرقمنة لتطوير مناهج تتضمن المحتوى الرقمي، خاصة بعد الدروس المستفادة من أزمة التعليم خلال جائحة كورونا.

٢-التنسيق مع الجامعات:

الجامعات اللبنانية العامة والخاصة شريكة في المشروع، حيث تُستفاد من خبرات الأساتذة في مجال البحوث التربوية لتطوير المحتوى.

٣-تجريب المناهج:

من المفترض أن تخضع المناهج المطورة إلى تجريب ميداني في عدد من المدارس الرسمية والخاصة، حيث يتم تقييم مدى توافق المناهج الجديدة مع احتياجات الطلاب والمعلمين، وتعديلها بناءً على الملاحظات.

٤-تأليف الكتب:

الخطة تقتضي أن يتم تأليف الكتب الدراسية بالتوازي مع إعداد المناهج، مع التركيز على إدخال الأنشطة التفاعلية والتطبيقات العملية التي تعزز الفهم بدلاً من الحفظ.

تشير التقارير إلى أن تكلفة تطوير المناهج حتى الآن بلغت حوالي “12 مليون دولار”، شملت رواتب أعضاء اللجان والخبراء، إضافة إلى استثمارات في البحوث والورش.

٥-التكاليف والتمويل

– التمويل يعتمد جزئيًا على مخصصات حكومية محدودة، بينما يغطي جزء كبير من المشروع دعم دولي من المنظمات المانحة مثل البنك الدولي واليونيسف.

– لم يتم حتى الآن تأمين التمويل الكامل لتأليف الكتب الجديدة وإنتاجها، مما يُشكّل عائقًا في المراحل النهائية للمشروع.

القوانين التي أُقرّت

١-قرار تشكيل الهيئة العليا للمناهج:

أُقرّ هذا القرار في 2020 لضمان إشراف مركزي على المشروع.

٢-تعديل القوانين الخاصة بالمركز التربوي:

سُمح بإعادة تنظيم عمل المركز التربوي ليواكب متطلبات المشروع.

التحديات التي تواجه المشروع

العوائق السياسية: التطوير في بعض المواد، مثل التاريخ والتربية الوطنية، يواجه اعتراضات سياسية نظرًا لاختلاف وجهات النظر حول بعض القضايا الحساسة.

ضعف التمويل: على الرغم من الدعم الدولي، هناك حاجة إلى موارد إضافية لضمان استكمال المشروع وتطبيقه في جميع المدارس.

تدريب المعلمين: يتطلب تطبيق المناهج الجديدة تدريبًا واسع النطاق للمعلمين، وهو ما لم يتم تنفيذه بعد بشكل كامل.

أين أصبح المشروع الآن؟

– حتى نهاية 2024، تم الانتهاء من إعداد الإطار الوطني للمناهج على أن يتم وضع الكفايات العامة والخاصة لجميع المواد وبعد ذلك يتم تأليف الكتب النموذجية الأولى لبعض المواد، ثم تبدأ مرحلة تجريبها في المدارس.

– ما يجري حاليًا هو العمل على تأمين التمويل لإنتاج الكتب بكميات كافية لجميع الطلاب، إضافة إلى إعداد برامج تدريبية للمعلمين.

حملات إعتراض وتشويش

شهدت عملية تعديل المناهج التعليمية في لبنان اعتراضات ونقاشات عديدة، حيث دار جدل في إحدى ورشات العمل حول تضمين عبارة “العداء للكيان الصهيوني الغاصب” في الأهداف العامة للمناهج، حيث اعتبر البعض أن هذه العبارة تعزز الهوية الوطنية، بينما اعترض آخرون لتجنب إقحام السياسة في التربية، كما أثيرت مخاوف حول اعتماد عملية تطوير المناهج على التوافقات السياسية بدل الأسس الأكاديمية، مما أدى إلى قلق بشأن جودة التعليم، حيث أشار بعض الأكاديميين إلى أن هذه المقاربة قد تؤدي إلى مناهج غير متماسكة وتعكس تسويات سياسية بالإضافة إلى تساؤلات حول استقلالية قرار المركز التربوي للبحوث والإنماء وإعتبر البعض أنه في حال تعرضه لضغوط سياسية فإن ذلك قد يؤثر على موضوعية تطوير المناهج.

من الناحية الأكاديمية إن هذه المناهج بحلتها الجديدة تسعى لمواكبة التطور العلمي الحاصل من خلال تضمين مفاهيم جديدة مثل المهارات الرقمية، التفكير النقدي، والاستدامة، ولكن التحديات لا تزال قائمة،حيث يرى خبراء تربويون أن هذه المناهج، رغم تحديثها، تواجه مشكلات في التنفيذ بسبب ضعف البنية التحتية التكنولوجية، وقلة الموارد في المدارس، واعتمادها جزئيًا على أسس تقليدية لا تلبي بالكامل احتياجات العصر الحديث. لذلك، لتحقيق المواكبة الفعلية للتطور العلمي، هناك حاجة إلى خطط دعم شاملة تشمل تجهيز المدارس، تدريب المعلمين، وتوفير موارد تعليمية حديثة تلائم التقدم العلمي العالمي.

الخاتمة

إن مشروع تطوير المناهج في لبنان يمثل خطوة أساسية نحو تحديث التعليم وإعداد الأجيال القادمة لمستقبل أفضل. ومع ذلك، فإن نجاحه يعتمد على استمرار الالتزام الحكومي، التعاون بين الجهات المعنية، وتأمين التمويل اللازم لتجاوز التحديات. إن الاستثمار في التعليم هو الاستثمار في بناء لبنان الجديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى