Uncategorized

الجنوب لم ولن يموت …والمسيرة مستمرة

بقلم ابن البلد نيوز(الجوني)

في اللحظة التي تَحتَسِب فيها أيها اللبناني أنَّ الألم قد بلغ ذروته، تأتي صورة الأبطال الذين لم يهابوا الموت في الجنوب.

كانت الدماء تُروى الأرض، لكنَّ الدماء الطاهرة التي سُفِكت لم تكن سوى زرع لأملٍ جديد يتردد في الأفق صوت الأب، الذي حمل في يديه جمجمة ابنه الشهيد، يروي بها قصة كفاح لم ينتهِ بعد هي صرخة الأم التي تعانق غصلاً من شعر ابنها، الذي قُطفَ في زهرة شبابه، وتبكيه كما تبكي الأرض التي فقدت أغلى ما فيها: البشر.

أما الطفل، الذي عبر طريق القدس في زحفٍ طويل، وكان وراءه أبٌ شهيد، فقد كانت خطواته تمثل وصية الآباء الذين أسسوا، بجثثهم الطاهرة، طريقاً للحرية.

ثم يأتي الجواب الذي لا يحتمل أي تفسير: هؤلاء هم أهل الجنوب، الذين كان الوطن في عيونهم أجمل من كل شيء لقد هبوا في لحظات العزاء التي لا تشبه أي عزاء، كانوا يحملون بين أيديهم الجروح، ولكن في قلوبهم نيران من الكبرياء لن تنطفئ.

في كل زاوية من أرض الجنوب اللبناني، هناك قصة لم تُكتب بعد، ولكنها محفورة في الذاكرة كما هي في الوجدان هي حكاية أناس خرجوا من كل مكان، رجالاً ونساءً وأطفالاً، حاملين في عيونهم حب الأرض، ورائحة الزعتر والكمون والليمون وعلى صدورهم صور أبطالهم مغروسة كشتلة تبغٍ عانقت غصن زيتون وفي قلوبهم أشواق الحرية هبوا على عجل، رغم الجراح والألم، ليكونوا درعًا للوطن، مستبسلين في حربهم ضد الاحتلال الإسرائيلي الذي اجتاح أرضهم عقودًا طويلة يعرفونه أوهن من بيت العنكبوت ويعرفهم من تاريخ خيبر يقتلعون أبواب الظلم في سبيل الله .

لم يذهبوا إلى ساحات المعركة بالأدوات الثقيلة ولا بكثرة العدد ذهبوا بعزائمهم القوية وأجسادهم الطاهرة، رغم أن بيوتهم كانت قد تحولت إلى أطلال، والشوارع إلى طرقات موحلة بالدماء فقدوا كل شيء، ولكن لم يفقدوا الأمل في تحرير أرضهم فكانوا رجالا” ونساءً وأطفالاً قصة عنفوان وتحدي كتبت بصفحاتِ عزٍ عنوانها الجنوب هم من اعتادوا على نومهم في العراء، في هذه الليالي القاسية التي كانت الرياح تعصف بها، بينما كانت جثث الشهداء تظل رهن الأنقاض، تبحث عن السلام الأخير إلا أنهم، رغم هذه المأساة، لم يتوانوا لحظة في انتشال أجساد رفقائهم من تحت الحطام، حيث وجدت الأشلاء والجماجم متفرقة، ولكن العزيمة واحدة، والدماء التي سُفكت كانت شعلة لن تُمحيها السنوات .

نساء الجنوب اللبناني كنَّ أعظم الجبال صمودًا، لم يكنّ مجرد أمهات، بل كنّ صانعات أبطال أطفالهن لم يعرفوا معنى الطفولة السهلة التي يعيشها الكثير في العالم بل نشأوا في أحضان الأرض المحترقة، يحملون أعلام الوطن بأيدٍ صغيرة، يرددون الهتافات التي كانت تعلو السماء حتى تخترق أسوار المحتل.

كانوا يقفون في وجه الآلات العسكرية، عيونهم مليئة بالأمل، وقلبهم ينبض بالثقة في النصر ولسان حالهم لنا خلف هذه الأشجار أجساد من نورٍ ونار نريدها ،من أخبركم أننا قومٌ نترك شهداءنا دون كفن ،سنكفنهم بأشفار العيون.

أما الرجال، فهم الأبطال الحقيقيون الذين، رغم أنهم فقدوا عائلاتهم وأملاكهم، لم يتراجعوا لم ترهبهم أسلحة الاحتلال ولا تهديدات الجيوش القوية كانوا يسيرون في طرقات قريتهم المدمرة كأنهم على موعد مع التاريخ يزرعون الأمل في قلوب الصغار، ويقولون لهم: “لن ننكسر، لا يهمنا كم سقط منا الشهداء، فكل شهيد هو أمل جديد”.

اليوم، ونحن نقف على أطلال تلك الحقبة، نرى أن هذه الأرض لم تكن يومًا مجرد جزء من خريطة سياسية، بل كانت وستظل قلبًا نابضًا بالوطنية لقد قدم أهل الجنوب اللبناني أرواحهم فداءً لوطنهم، لا يتنازلون عن الأرض، ولا يقبلون بأي شكل من أشكال الذل فكان الجنوب عاصمة الأوطان الحرة.

يا تموز عذرا” إعتقدناك آخر رايات النصر ولكن أشرف الناس ، نراهم من جديد، يحملون رايات النصر التي سُقت بدمائهم الطاهرة، رغم أن نظراتهم مليئة بالحزن على ما فقدوه، ودموعهم تختلط بين الفخر والوجع لكنهم، كعادتهم، يواصلون المسير، لأنهم يعلمون أن الحرية ليست مجرد كلمة، بل هي حق أجيال لا يمكن التنازل عنه.

وأمام كل هذه التضحيات، يبقى السؤال الذي لا يملك إجابة سهلة: ماذا يمكن أن نقدم لأهل الجنوب؟

أهي الكلمات التي تعجز عن وصف بطولاتهم؟

أم هي الأفعال التي قد لا تكفي لتخليد تضحياتهم؟

على كل حال، ستظل الأرض والجثث والشهداء شاهدة على أن هذه الأرض، مهما كانت ظروفها، لن تكون إلا حرة.

اليوم فقط تأكدنا أننا أصبحنا جاهزون لتشيع سيد العصر والزمان لأن القضية بأيدي أمينة نعم بأيدي أطفال الجنوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى