
العودة إلى الأرض… العودة إلى الحياة
في عيتا الشعب، على تخوم الجنوب الصامد، حيث تراب الأرض مشبع برائحة الزيتون والتاريخ، عاد الرجل إلى أرضه، يحمل بين يديه غرسة زيتون، وكأنما يحمل شعلة الحياة ذاتها. لم ينظر إلى الركام، لم يتوقف عند الجدران المنهارة التي كانت يومًا منزله، بل اختار أن يبدأ من جديد، حيث تبدأ الأوطان دومًا: من الأرض.
في الجنوب، لا تُقاس الحياة بعدد الحروب التي مرت، بل بعدد المرات التي نهض فيها الناس من تحت الأنقاض ليعيدوا زراعة الحقول، ويجددوا عهدهم مع الأرض التي لم تخذلهم يومًا.
الزيتون… ذاكرة الأرض وسلاح البقاء
في بلادنا، لا تُزرع أشجار الزيتون عبثًا، فهي ليست مجرد محصول زراعي، بل رمز خالد للحياة، للسلام الذي لم يُكتب له أن يكون، وللصمود الذي لا يُقهر. هي شجرة لا تموت، تضرب جذورها عميقًا في التراب، تلتف حول الصخور، تتحدى الجفاف، وتمنح الأرض لونها الأخضر حتى في أشد الفصول قسوة.
حين عاد هذا الرجل إلى أرضه، لم يكن يحمل فقط شتلة زيتون، بل كان يحمل إرادة شعب، ذاكرة وطن، وحلمًا لا يعرف الانكسار. هو يدرك تمامًا أن الغزاة قد يهدمون الجدران، لكنهم لن يقتلعوا الجذور، ولن يطفئوا الروح التي تنبض في كل حبة تراب.
من الدمار يولد الرجاء كم من مرة دُمِّر الجنوب؟
كم من مرة حاول العدو محو قرى بأكملها؟ وكم من مرة ظن العالم أن هذه الأرض لن تنهض مجددًا؟ لكن في كل مرة، كان الجنوب يُعيد تعريف الإرادة، وكانت الحياة تُولد من الدمار كما ينبت القمح من بين الشقوق.
عيتا الشعب، كبقية قرى الجنوب، ليست مجرد بقعة على الخريطة، بل هي شهادة حية على أن الأوطان تُبنى بالسواعد، لا بالشعارات، وأن العودة إلى الأرض هي العودة إلى الهوية، إلى الجذور، إلى معنى الوطن الحقيقي. الوطن ليس جدرانًا… الوطن هو الأرض في لحظة غرس شجرة الزيتون، كان هذا الرجل يقول للعالم بأسره: “نحن هنا، وسنبقى هنا، مهما كان الثمن.” لم ينتظر المساعدات الدولية، لم يتردد في مواجهة الدمار، بل وقف أمام أرضه كما يقف الجندي أمام سلاحه، وكأنه يقول: “من هنا تبدأ المعركة الحقيقية، معركة الحياة ضد الموت، معركة البقاء ضد الفناء.
“حين تنظر إلى هذه الصورة، لا ترى مجرد مزارع يغرس شتلة، بل ترى وطناً يُعاد بناؤه بيديه العاريتين، وعزم لا ينكسر. هذا هو الجنوب، وهذه هي عيتا الشعب، حيث الأرض ليست مجرد تربة، بل هي قضية، وحياة، ومستقبل لا يُمكن انتزاعه.
أيها الشهداء إطمئنوا فلاح عيتا الشعب أعاد “غرس الزيتون”



