خاص | ابن البلد نيوز

أطفال الصعوبات التعليمية في لبنان: معركة الصمود في وجه التهميش

في وطنٍ يرزح تحت أعباء الأزمات، حيث تنهش الأزمات الاقتصادية والاجتماعية ما تبقّى من الأمل في النفوس، ثمّة فئة تُحرم من حقّها الطبيعي في التعلم، لا بذنبٍ اقترفته، بل لأنّها ولدت بقدرات مختلفة، بطرق تفكير تحتاج إلى صبرٍ وإيمان، لا إلى تهميشٍ وإهمال. أطفال الصعوبات التعليمية في لبنان، هؤلاء الذين يتحدّون صمت الدولة، وعجزها، ولامبالاتها، يقاتلون كلّ يوم ليحجزوا لأنفسهم مقعدًا في صفوف التعليم، وليُسمعوا صوتهم في أروقة المدارس، علّه يوقظ ضميرًا نائمًا في دهاليز السياسة.

من التهميش إلى الكفاح :

عندما يذكر التعليم في لبنان، تتبادر إلى الأذهان صورة المدارس الرسمية التي تنوء تحت ثقل الانهيار الإقتصادي حيث تركت الوزارة تواجه التحديات لوحدها، وصفوف مكتظة بأساتذة يواجهون الفقر رغم كل محاولات الوزير وفريقه توفير الدعم الخارجي . لكن، ما لا يُقال، هو معاناة آلاف الأطفال الذين يعانون من صعوبات تعليمية، والذين يُجبرون، في كثير من الأحيان، على الانسحاب من المدرسة بسبب عدم قدرة النظام التعليمي على استيعابهم.الصعوبات التعليمية ليست ضعفًا في الذكاء، بل اختلاف في طريقة معالجة المعلومات، تتراوح بين عسر القراءة (Dyslexia)، واضطرابات الانتباه وفرط الحركة (ADHD)، وصعوبات الفهم والاستيعاب. هؤلاء الأطفال بحاجة إلى استراتيجيات تعليمية خاصة، إلى مدارس دامجة، إلى معلمين مدرّبين، إلى مراكز متخصصة. لكن، كم من هذه الخدمات متوفّر في لبنان؟

مراكز معدودة.. وحاجة متزايدة

في بلد يتفاخر بتاريخه الأكاديمي، لا يتجاوز عدد المدارس الرسمية الدامجة الـ 130 مدرسة، موزّعة بين المدن والأرياف، وهي مدارس تحاول، رغم إمكانياتها المحدودة، توفير برامج تعليمية تلائم احتياجات هؤلاء الأطفال. لكنّ الحقيقة المرة أنّ هذه المدارس، على قلتها، تعاني من نقص في الموارد، وغياب تدريب فعّال للمعلمين، وغياب التمويل المستدام.أما المراكز الرسمية المتخصصة التي تعنى بالصعوبات التعليمية، فهي محدودة، ومعظم الدعم يأتي من مؤسسات خاصة أو منظمات غير حكومية تحاول سدّ الفراغ حيث تخذل الدولة مواطنيها. ورغم المبادرات الفردية التي تسعى إلى تحسين واقع هؤلاء الأطفال، يبقى التعليم الخاص مشكورا ” هو الخيار الوحيد الفعّال، لكنه خيار مكلف لا يستطيع معظم الأهالي تحمله في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة رغم كل التسهيلات والحسومات التي يحاول أصحاب هذه المراكز تقديمها و خاصة أن بعضهم اعتبر أن هذا الموضوع قضيته الخاصة في هذه الحياة الظالمة ،فأصعب شعور في هذا العمر الزائل أن تجد أما” أو أبا ” يعملان في مجال التعليم و غير قادرين على تأمين مقعد لطفلهم لأنه يعاني من غدر القدر ،نعم انها الدنيا يا سادة .

بين الأمل والتجاهل

قد يكون من السهل على كل الدولة أن تتجاهل هذه الفئة نعم كل الدولة و أكرر كل الدولة و سوف أبقى أكرر كل الدولة حتى انقطاع النفس ، أن تغضّ النظر عن حقّهم في التعلم، أن تتركهم فريسة للجهل والتهميش، لكن ماذا بعد؟ هل يتحمّل وطن ينهار أصلاً، مزيدًا من الأجيال الضائعة؟ هل يدرك أصحاب القرار أنّ الاستثمار في هؤلاء الأطفال اليوم، هو استثمار في مستقبل البلاد؟بين جدران الصفوف، هناك طفل يُكافح لفكّ شيفرات الكلمات التي لا يستطيع قراءتها كما يفعل أقرانه، هناك فتاة تجلس في زاوية الصفّ تحتضن الأنين و الدموع لأنها لا تستطيع مجاراة سرعة الدرس، هناك معلم يحاول بجهوده الفردية تعويض غياب التدريب والدعم. هؤلاء لا يحتاجون إلى شفقة، بل إلى حقّ، لا يطلبون إحسانًا، بل يطالبون بفرصة، بوطن يحتضنهم بدل أن يدفعهم إلى الهامش.

الكلمة الأخيرة

في لبنان، كما في كلّ مكان، التعلم ليس امتيازًا، بل حقّ وهو ليس مسؤولية وزارة التربية وحدها حيث يترك الوزير وفريقه الإداري بلا تمويل وعليهم إختراع الحلول بل مسؤولية الجميع . وأطفال الصعوبات التعليمية ليسوا أقلّ قدرة أو طموحًا، بل هم بحاجة إلى تعليم يلائم طريقتهم في الفهم والاستيعاب.

فإن كانت الدولة قد اختارت أن تغمض عينيها، فمن واجبنا نحن أن نبقي الصوت عاليًا، أن نكتب و نكتب ونكتب وان جفت أقلامنا نكتب بدمائنا ، وأن نطالب ونطالب ونطالب حتى تذوب أجسادنا جهدا” ، و أن نضيء على هذه القضية التي أراد الله أن تصبح قضيتنا فهي من اختارتنا و ليس نحن من اخترناها، لأنّ الغد لن يكون إلا بما نزرعه اليوم .

وكما قال غسان تويني يومًا: “فلنكتب كي لا نموت، ولنكتب كي يحيا الوطن”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى