دراسات وابحاث

بين الطموحات والواقع: قراءة نقدية في خارطة الطريق التربوية للبنان

:

في وقتٍ يمر فيه لبنان بواحدة من أعقد أزماته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يبرز التعليم كواحد من القطاعات التي تحتاج إصلاحاً جذرياً.

ورغم أهمية الوثيقة التي قدمتها مجموعة من الأكاديميين والتربويين، فإنها تعاني من غياب رؤية عملية قادرة على مواجهة الواقع اللبناني المعقد. في هذا المقال، سنحاول تسليط الضوء على هذه الثغرات، مبرزين التناقضات بين الطموحات المطروحة والتحديات التي تعرقل تحقيقها.

١. غياب خطة تنفيذية واضحة:

الوثيقة غنية بالمبادئ والحقوق، لكنها فقيرة من حيث الآليات العملية. على سبيل المثال:

– إعادة هيكلة وزارة التربية والتعليم العالي:

الوثيقة تدعو لتعيين موظفين أكفاء وشفافين، لكن كيف سيتم هذا التغيير في ظل القوانين الحالية التي تكرّس التوظيف الطائفي والمحاصصة؟ هناك تجاهل واضح لحقيقة أن تعيينات القطاع العام في لبنان غالباً ما تمر عبر القنوات الحزبية والطائفية، مما يجعل استبعاد المحسوبيات أمراً معقداً إن لم يكن مستحيلاً في النظام الحالي،إذا كان نواف سلام نفسه غير قادر على إختيار ٢٤ وزير فقط ،كيف حال إختيار آلاف الموظفين ؟

– تمويل الإصلاحات: لم توضح الوثيقة كيف سيتم تمويل هذه الإصلاحات ،هل سيتم الاعتماد على التمويل المحلي، أم القروض الدولية، أم مساعدات خارجية؟ كيف يمكن تطبيق تحسين رواتب المعلمين وتطوير البنية التحتية في ظل الأزمة المالية وانهيار العملة الوطنية؟ الوثيقة لا تطرح أي تصور لمعالجة هذه الفجوة المالية وفي غياب التمويل لا يمكن إجراء أي تطوير لأن الموظفين في الوزارات لا يعملون على الطاقة الشمسية.

٢. تجاهل الأزمات الاقتصادية وتأثيرها على التطبيق:

– انهيار القطاع المالي وتأثيره المباشر على التعليم: بعد أزمة ٢٠١٩، فقدت الليرة اللبنانية أكثر من ٩٠٪ من قيمتها، مما أثر مباشرة على القدرة الشرائية للمعلمين وأجورهم و الوثيقة لم تتناول هذا الجانب أو تقدم حلولاً واضحة. كيف يمكن مطالبة المعلمين بالالتزام بمعايير جودة جديدة بينما هم يعانون من تأمين قوت يومهم؟

– الأهالي والمدارس الخاصة: مع ارتفاع تكاليف التعليم الخاص وانخفاض قدرة الأسر على الدفع، هناك أزمة نزوح طلابي من المدارس الخاصة إلى الرسمية.

الوثيقة تكتفي بذكر دور الدولة في “تنظيم” العلاقة مع القطاع الخاص، لكنها لا تقدم حلولاً للأهالي الذين أصبحوا غير قادرين على تحمّل الرسوم أو للمدارس التي تواجه خطر الإغلاق حتى المدارس التي تصنف خاص -مجاني ،الدولة تدفع لها المساهمات المالية حسب الحد الأدنى القديم وبطريقة “التقطير”.

٣. غموض في دور الدولة والقطاع الخاص:

– التعليم الخاص غير الربحي مقابل الربحي: الوثيقة تضع التعليم الخاص الربحي وغير الربحي في سلة واحدة. لكنها لا تتناول التحديات المختلفة التي يواجهها كل منهما. مثلاً، المدارس الخاصة الربحية تعتمد على نموذج تجاري قد لا يتماشى مع معايير الجودة التي تفرضها الدولة، بينما المدارس غير الربحية “مدارس الفقراء” تعاني من نقص في التمويل وتحتاج لدعم حكومي واضح.

– ضعف الرقابة الحكومية: هناك إشادة ضمنية بدور الدولة في الرقابة، لكن في الواقع، الدولة اللبنانية لطالما أظهرت عجزاً عن فرض رقابة بسبب التدخل السياسي وضعف إمكانيات أجهزة الرقابة التي تعاني من فراغ كبير بالعديد والعتاد.

٤. إغفال دور المعلمين في مقاومة التغيير:

– تغيير العقليات الراسخة: تطوير المناهج وتحديث أساليب التعليم يتطلبان تغييرات جذرية في ثقافة التدريس نفسها. هناك مقاومة طبيعية للتغيير بين المعلمين الذين يفضلون الطرق التقليدية، خاصة في بيئة تفتقر للتدريب المستمر ولحوافز مالية مشجعة. كيف يمكن إقناع معلم يعاني من تدني الراتب ويعمل في بيئة غير مستقرة بتبني أساليب تدريس مبتكرة؟

– نقابات المعلمين: لم تتناول الوثيقة بشكل كافٍ دور نقابات المعلمين التي قد تعارض بعض الإصلاحات خوفاً من التأثير على مكتسباتها. النقابات اللبنانية معروفة بتشبثها بحقوقها، وقد تكون حجر عثرة أمام أي محاولة لإعادة هيكلة قطاع التعليم دون ضمانات واضحة.

٥. الطرح النظري بدون ربط بالسياق السياسي الحالي:

– التحديات السياسية والطائفية: التعليم في لبنان ليس مجرد قطاع إداري، بل هو انعكاس للواقع الطائفي والسياسي المعقد.

لم تتناول الوثيقة كيف ستواجه الانقسامات الطائفية التي تؤثر على توزيع المدارس والبرامج التعليمية. مثلاً، هناك مدارس تتبع لمؤسسات دينية أو سياسية معينة، وتغيير مناهجها أو سياساتها قد يواجه برفض قاطع.

– الاستقرار السياسي كشرط أساسي: الإصلاحات التربوية تتطلب بيئة سياسية مستقرة. ومع استمرار الأزمات السياسية المتكررة (مثل الفراغات الحكومية والتوترات الإقليمية)، فإن أي خطة إصلاحية قد تصبح مجرد مشروع نظري دون إمكانية للتطبيق.

٦. غياب نظرة شمولية للتعليم المهني والتقني:

– فجوة بين التعليم المهني وسوق العمل: الوثيقة تشير إلى ضرورة إعادة النظر في التعليم المهني، لكنها لا تقدم تصوراً عملياً لكيفية ربط هذا النوع من التعليم بسوق العمل اللبناني، الذي يعاني أصلاً من ركود واسع وارتفاع معدلات البطالة. كيف يمكن دفع الشباب للتوجه إلى التعليم المهني في حين لا توجد وظائف مناسبة تنتظرهم بعد التخرج؟

-الهجرة وتأثيرها على سوق العمل: معظم خريجي التعليم المهني والتقني يسعون للهجرة نظراً لغياب الفرص في الداخل. الوثيقة لم تتناول كيفية معالجة هذه الظاهرة أو تقديم حلول لاحتواء الكفاءات داخل لبنان.

الخاتمة:

بينما تقدم خارطة الطريق التربوية رؤية طموحة لمستقبل التعليم في لبنان، فإنها تفتقر إلى معالجة حقيقية للتحديات البنيوية والسياسية والاقتصادية التي تحول دون تطبيقها.

الإصلاح الحقيقي يتطلب ليس فقط تحديد الحقوق والمبادئ، بل وضع استراتيجيات عملية قادرة على مواجهة تعقيدات الواقع اللبناني ومن دون هذا الربط، ستبقى الوثيقة حبراً على ورق، كسابقاتها من المبادرات التي اصطدمت بجدار الواقع الصلب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى