
في زمن الأزمات الكبرى، تُختبر الشعوب، وتُكشف الأقنعة التي طالما أخفت الشروخ العميقة في جسد الوطن.
الحرب الأخيرة التي شنها العدو الإسرائيلي على لبنان لم تكن فقط عدواناً على الأرض والسيادة، بل فضحت هشاشة وعينا الوطني وأظهرت عمق الانقسامات التي تنخر جسد مجتمعنا.رغم المشهد الوطني الجامع خلال الحرب حيث فتحت البيوت لأبناء الوطن الواحد وتقاسم أهل الوطن رغيف الخبز فيما بينهم و تبرعوا بدمائهم لينقذوا جرحاهم إلا أن المشهد بعد إنتهاء الحرب لم يكن فقط مشهداً للدمار والخراب، بل مشهداً لانفراط عقد القيم الوطنية، حيث ارتفعت أصوات الشماتة بالشهداء، وتجرأ البعض على تبرير العدوان، فقط لأن الدماء التي سُفكت كانت غالبيتها لأبناء طائفة دون أخرى.
إن هذا الانحدار الوطني في الخطاب العام لا يمكن مواجهته إلا بإعادة بناء المفاهيم الوطنية من جذورها. والمكان الأنسب للبدء هو المدرسة، حيث تتشكل العقول وتتفتح القلوب على معاني الانتماء. لقد آن الأوان لتأليف كتاب تربية وطنية جديد، لا يكتفي بسرد القصص وتعداد المحطات، بل يغوص في جوهر معنى الوطن والدولة، ويعيد رسم العلاقة بين المواطن ومؤسسات بلاده.
الدولة ليست خياراً، بل ضرورة:
في قلب هذا الكتاب يجب أن يكون مفهوم الدولة أساسي لبناء الإنسان، الدولة ليست مجرد كيان إداري أو سلطة مركزية، بل هي الحاضن الأول لكل مواطن، بغض النظر عن دينه أو طائفته أو انتمائه السياسي. الدولة القوية والعادلة هي الضمانة الوحيدة لحقوق الأفراد والجماعات، وهي التي تضع الجميع تحت سقف القانون. عندما تُهان الدولة، ويُستهزأ بمؤسساتها، ويتجرأ البعض على تبرير العدوان على جزء من شعبها، فإننا نكون قد بدأنا في تفكيك أسس وجودنا المشترك.
على كتاب التربية الوطنية أن يعلّم أبناءنا أن احترام مؤسسات الدولة ليس ترفاً ولا خضوعاً، بل هو تعبير عن وعي حضاري وأن القضاء ليس أداة بيد سلطة ما، بل هو ميزان العدالة الذي يحفظ حقوق الجميع. الجيش ليس لطائفة واحدة دون أخرى، بل هو الضامن لوحدة الوطن وسلامة أراضيه ،والسلطات التنفيذية والتشريعية ليست مساحات لتقاسم النفوذ، بل مؤسسات لخدمة المواطن وحماية المصلحة العامة.
حق الشعب في الدفاع عن أرضه جنباً إلى جنب مع الجيش:
في الوقت الذي نؤكد فيه على مركزية الدولة وأهمية مؤسساتها، لا يمكن أن نتجاهل حق الشعب المشروع في الدفاع عن أرضه وكرامته في وجه أي عدوان خارجي. هذا الحق ليس فقط مصوناً في القوانين الدولية وشرعة حقوق الإنسان، بل هو جزء من وجدان كل شعب يتعرض للاحتلال والاعتداء. في لبنان، حيث عانى شعبنا طويلاً من الاعتداءات الإسرائيلية، كان دائماً هناك تلاحم بين الجيش والشعب في ردع غطرسة هذا الاحتلال.
يجب أن يُعلّم كتاب التربية الوطنية أبناءنا أن الدفاع عن الوطن ليس مسؤولية الجيش وحده، ولا مسؤولية طائفة دون أخرى بل هو واجب وطني جامع وعندما تتعرض القرى والمدن للقصف، وعندما تنتهك الحدود، يصبح الدفاع عن الأرض شرفاً لا يعلو عليه شرف و هذا الدفاع يجب أن يتم في إطار وحدة دماء أبناء الوطن الواحد والحرص على الدفاع عن الدولة ومؤسساتها، بما يعزز وحدة الصف الوطني لا تفتيته.
رفض الشماتة… ورفض الخيانة
كيف يمكن لمواطن أن يشمت بسقوط شهيد لبناني فقط لأنه ينتمي لطائفة أخرى؟ كيف يمكن أن يتحول العدوان على لبنان إلى مادة لتصفية الحسابات الطائفية؟ هذا السقوط الأخلاقي لا يمكن تبريره تحت أي ظرف.
الشهيد هو شهيد الوطن، والعدوان هو عدوان على كل بيت لبناني، سواء وقع في الجنوب أو في الشمال، في الضاحية أو في الأشرفية هو عدوان على كل لبنان .
إن المواقف التي تبرر أو تؤيد العدوان على فئة من اللبنانيين ليست فقط خيانة لقيم الوطنية، بل هي خيانة للبنان نفسه.
لا يمكن لأي لبناني أن يقبل بأن يُستهدف جزء من شعبه، لأن ذلك يعني تفكيك العقد الاجتماعي الذي يجمعنا جميعاً. العدوان لا يميز بين طائفة وأخرى، والاحتلال لا يفرّق بين قرية شيعية أو مدينة سنية أو بلدة مسيحية. العدو يرى فينا جميعاً هدفاً، فلماذا لا نرى في أنفسنا جسداً واحداً؟
التربية الوطنية: مشروع إنقاذ
إن كتاب التربية الوطنية الذي ندعو لتأليفه ليس مجرد مشروع أكاديمي، بل هو مشروع إنقاذ لوطن يكاد يضيع تحت ركام الانقسامات. هذا الكتاب يجب أن يكون مرآة تعكس تعددية لبنان وتنوعه، ولكن أيضاً يرسّخ فكرة الدولة كمرجع وحيد وحاضن جامع. نريد كتاباً يُعلّم أولادنا أن العدالة ليست انتصاراً لطرف على آخر، بل منظومة تضمن حقوق الجميع وتضع الجميع تحت سقف الوطن .
في أسلوب غسان تويني، الذي طالما دعا إلى السلم والحوار واحترام الدولة، نقول:
إن لبنان بحاجة اليوم إلى ثورة فكرية تبدأ من الصفوف المدرسية.
ثورة تُعيد تعريف الوطنية في عقول الأجيال القادمة، فتُخرجهم من مستنقع الانقسامات إلى فضاء الوحدة الحقيقية. فلنكتب هذا الكتاب معاً، ولنجعله حجر الأساس لوطن يستحق الحياة، وطن يحترم دماء شهدائه كما يحترم مؤسساته، ويضع فوق كل اعتبار مصلحة الدولة والشعب.
بهذا الكتاب، نعيد صياغة الميثاق اللبناني، ليس فقط بالكلمات، بل بالأفعال والمفاهيم التي تعيد لنا إيماننا بأن لبنان، رغم كل شيء، وطن يستحق أن نحلم به من جديد.



