
في هذه الأرض التي ينهض فيها الفكر رغم الركام، وحيث يبقى العلم نافذة على الضوء وسط ظلمات الأزمات، ثمة من لا يزال يؤمن بأن التربية ليست ترفًا، بل قدر أمة تسعى إلى البقاء.
في حوار ممتد عبر ثلاث محطات، لم تكن الكلمات مجرد إجابات، بل شهادة على معركة يخوضها العقل ضد الجمود، ورحلة تواكب العصر دون أن تفقد هويتها. هيام إسحق لم تكن مجرّد مسؤولة تضع خططًا، بل كانت صوتًا لفكرٍ يتنفس المستقبل، تروي بوعي العارف وخبرة المجتهد كيف يمكن للتعليم أن يكون جسراً نحو وطن لا تهزّه العواصف. بين المناهج والبحوث، بين التحديث والجذور، كانت الرؤية واضحة: المعرفة ليست حبرًا على ورق، بل وعدٌ لا بد أن ينجز.
المحور الخامس: تحديث المناهج التعليمية
ما هي أبرز ملامح المناهج الجديدة التي يعمل عليها المركز التربوي؟
أبرز ملامح المناهج المطوّرة التي يعمل عليها المركز التربوي هي الآتية:
مناهج شمولية لا تهمل أي ناحية من نواحي تطوير شخصية المتعلّم اللبناني، آخذة بالعلم وغير مهملة للأبعاد الإنسانية والاجتماعية لعملية بناء المواطن اللبناني.مناهج وطنية ترتكز على الخاصية اللبنانية المتمثلة في ما بني عليه الدستور اللبناني من تكريس للعيش المشترك.مناهج عصرية تأخذ بالتجديد التربوي المعمول به في البلدان المتطورة، وقائمة على الكفايات التربوية وليس على الأهداف التربوية كما كانت المناهج التي صدرت سنة 1997.
كيف يتم إعداد هذه المناهج، ومن هم الخبراء والأساتذة المشاركون في تطويرها؟
الخبراء والأساتذة المشاركون في إعداد المناهج المطورة هم خبراء لبنانيون مختصون بسائر الميادين التعليمية، وقد اختيروا عن طريق المقابلات بعد دراسة السيرة الذاتية لكل منهم، وكانت عملية الاختيار في غاية الجديّة والشفافية، وقد انتظم هؤلاء الخبراء في لجان عائدة للميادين التعليمية وهم يعملون الآن على إعداد مصفوفة المدى والتتابع التي ترتكز عليها عملية إعداد الكتب المدرسية في مرحلة لاحقة.
هل هناك خطة لتدريب المعلمين على المناهج الجديدة قبل تطبيقها؟
من الطبيعي أن يدرّب المعلمون قبل تطبيق المناهج المطورة ومكتب الإعداد والتدريب أعد خطة لهذه الغاية وستطبق فور الانتهاء من إعداد مصفوفة المدى والتتابع.
كيف يتم ضمان أن هذه المناهج تلبي احتياجات المتعلّمين اللبنانيين وتواكب التطورات العالمية في التعليم؟
لقد أمنا ذلك من خلال الدراسات التحضيرية التي قامت بها فرق الباحثين في المركز التربوي وهي ثماني دراسات عملت بمعظمها على استكشاف هذه الاحتياجات وعلى مواكبة التطورات العالمية في ميدان المناهج التعليمية.
متى من المتوقع أن يبدأ تطبيق هذه المناهج الجديدة، وهل هناك خطة تدريجية لذلك؟
بعد الانتهاء من كتابة مصفوفة المدى والتتابع،سيصار إلى تأليف الموارد التعليمية التعلمية من قبل لجان مختصة في المركز التربوي لعدد من مواد الدراسات الاجتماعية والتربية و من قبل دور النشر اللبنانية لعدد من المواد الأخرى كالعلوم والرياضيات عبر مناقصات تقيمها لجنة الشراء العامّ، وبعد الانتهاء من وضع الكتب سيصار إلى تدريب المعلمين على المنهاج المطور وعلى الكتب الجديدة، بعدئذ ستطبق المناهج تدريجيًّا في السنة الأولى من كل حلقة، ومن بعدها في السنة الثانية، علما ان الحلقة الدراسية أصبحت تتالف من سنتين دراسيتين يحقق في نهايتهما المتعلم النواتج الفرعية للكفايات المتوخاة.
المحور السادس: أبرز إنجازات المركز وخططه المستقبليّة
ما هي أهمّ الإنجازات التي حققها المركز التربوي خلال السنوات الأخيرة رغم الظروف الصعبة؟
إنّ المركز التربوي للبحوث والانماء بحكم القانون والدستور اللبناني هو المسؤول عن رسم السياسة التربوية للوطن، وبالتالي هو المولج بعملية البناء الإنساني الوطني؛ لذلك كلّه يعمل المركز حاليًّا على ورشة إصلاحيّة تربويّة نهضويّة لتحديث وتطوير المنهاج التعليمي ما قبل الجامعي. وذلك انطلاقًا من أحدث المقاربات التربويّة التي تعتمد على الكفايات. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذا العمل قد انطلق منذ قرابة السنة .
كيف يساهم المركز التربوي في الاستجابة لمتطلبات الحقل التربوي؟
في المركز التربوي الأقسام الأكاديمية ضمن الهيئة الأكاديمية المشتركة المولجة بإعداد برامج التدخل الملائمة لحاجات المتعلمين في الحقل التربوي والمعززة للمناخ المدرسي. تقوم الأقسام الأكاديمية بشكل مستمر بمراجعة مناهج المواد وتوصيف الامتحانات الرسمية بحسب متطلبات المرحلة وأي أزمات طارئة وإعداد برامج التدخل الملائمة وما تتضمنه من كفايات و موارد تعليمية تعّلمية ورقية ورقمية وأدوات التقويم كما هو الحال في التعلم الاجتماعي والانفعالي وبرامج الدعم في المواد الأكاديمية المختلفة. كما تقوم الهيئة الأكاديمية بمراجعة جميع البرامج الوافدة إلى القطاع التربوي والمصادقة عليها قبل استخدامها في المدارس والثانويات فضلا عن تطوير المنصات التربوية المتنوعة.
هل هنالك مشاريع قيد التنفيذ لتحسين جودة التعليم الرسمي ؟ وهل نجحتم في ردم الهوة التربوية ؟
بالطبع المركز التربوي يعمل كخليّة نحل متماسكة لا يكلّ ولا يملّ لا يني ولا يتعب وفق الإستراتيجية التالية:
١- العمل الدّؤوب للهيئة الأكاديميّة في المركز، هذه الهيئة التي تضمّ الأقسام التربويّة الستّة عشر التي تعنى بالمواد التعليميّة والتربوية، وهي تعمل على وضع وتطوير المناهج التعليمية، وتأليف الكتب المدرسيّة والمصادقة عليها، إضافة إلى كونها الجهة الموّلجة بوضع محتوى التدريب التي يعمل وفقًا لها مكتب الاعداد والتدريب على إعداد وتدريب المعلّمين.
٢-لتجويد التعليم يعمل مكتب الاعداد والتدريب على إعداد مقررات التدريب في مختلف الميادين التربويّة، حيث تنفّذ دورات في التدريب المستمرّ لأساتذة التعليم الرسمي، وذلك ليبقى المعلّم مواكبًا لأحدث التقنيات والطرائق التربويّة تماشيًا مع نهضة العصر.
فعلى سبيل المثال واكبت الهيئة مرحلة التعافي التعليمي عبر وضع برامج للتعافي التربويّ على خمس مراحل. هذه البرامج التي عالجت الفقدان التعلّمي الذي نتج عن سلسلة الأزمات المتتابعة التي عصفت في بلدنا الحبيب قام مكتب الإعداد والتدريب بتحضير المادة التدريبية و قام بتدريب المدربين الاساسيين للمواد ومن ثم المعلمين على مساحة الوطن.
هل لديكم خطة مستقبلية لتطوير البحث التربوي في لبنان؟
بالنسبة إلى الأبحاث التربويّة المركز التربويّ هو الجهة الرسميّة المخوّلة متابعة الميدان البحثي لتطوير الرؤى التربويّة خدمة للتربية بشكل خاص وللوطن بشكل عام. وذلك من خلال:
– تنفيذ البحوث التربوية وتعميم نتائجها مثل الأبحاث الإحصائيّة التي تستند إلى نتائج الامتحانات الرّسميّة، ما يسمح بتكوين تصوّر تربويّ واضح حول المستوى التربوي الذي ترسيه هذه الشهادات. وهذا ما يسمح لوزارة التربية بأن تواكب المستويات التربويّة العالمية، وما يرفع من شأن الشهادة اللبنانيّة ومقبوليّتها في مختلف دول العالم.
– وضع مشاريع الخطط التربويّة،وتقديم الاستشارات التربوية والخطط الهادفة إلى تحسين المؤسسات التربوية.
-إعداد النشرات الاحصائيّة الدوريّة.
ما هي المشاريع التي أنجزها المركز على صعيد البحث التربوي ؟
في الفترة الأخيرة عمل المركز على إنجاز العديد من المشاريع أبرزها :
١- بدعم من AUF))Agence Universitaire de la francophonie عملنا على تطوير البحث التربوي في مشروع Think Tank مع نخبة من الباحثين التربويّين من الجامعة اللبنانيّة ومختلف الجامعات الخاصّة التي تولي الشأن التربوي أهميّة كبرى في مناهجها التعليميّة.
٢-المشاركة في مختلف الاختبارات الدوليّة مثل :
-اختبار Pisa (program for international student assessment) يقيس مدى قدرة المتعلمين الذين بلغوا الخامسة عشر من العمر تقديم الحلول للوضعيات الحياتية في مجالات الثقافة العلمية وثقافة الرياضيات والفهم القرائي.
– اختبار SSES أي Survey on Scial and Emtional Skills وهو استبيان عن الدعم النفسي الاجتماعي سيمكن المعنيين في المركز التربوي من استخلاص المحددات benchmarks حول مدى اكتساب نواتج كفايات التعلم الانفعالي الاجتماعي لدى المتعلمين المنتميين إلى الفئة العمرية نفسها.
-برنامج Talisأي teaching and learning international survey وهذا البرنامج يستهدف المعلّمين حيث سيمكّن المركز التربوي من جمع معلومات عن المعلّمين والمديرين على السواء حول ظروف العمل، وبيئات التعلّم. وتستخدم نتائج هذا البرنامج من قبل صانعي السياسات التربويّة لتحسين ظروف العمل بشكل خاص.
وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه البرامج الثلاثة هي بالتعاون مع منظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD).
كما يعمل المركز التربوي مع برنامج AMPL أي Assesment for minimum proficiency level وهو اختبار دولي مع منظمة اليونسكو يهدف إلى تقييم مستويات الكفاءة عند المتعلّمين في القراءة والرياضيّات في نهاية الحلقتين الأولى والثانية من مرحلة التعليم الأساسي.
هل هناك توجّه لتعزيز الشراكات مع الجامعات أو المنظّمات الدوليّة للاستفادة من خبراتها في تحديث التعليم اللبناني؟
يعمل المركز التربوي بشكل دؤوب على تعزيز الشراكات مع مختلف الجامعات والمنظّمات المحلّيّة والدوليّة للاستفادة من الخبرات التي تكتنزها هذه المؤسّسات. فبنهاية المطاف من أهمّ المعايير التي تصنّف جودة التعليم الجامعي هي احتضانها لمراكز أبحاث تستطيع أن تشكّل البوصلة المستقبليّة التي توجّه خيارات المتعلّمين وتحدّد مستقبل الأوطان. أمّا فيما يتعلّق بالميدان الدّولي فيسعى المركز إلى تعزيز الشراكات مع هذه المؤسّسات بهدف الاستفادة من خبراتها التربويّة الحديثة، ولاسيّما أنّ هذه المؤسّسات قد نجحت في مختلف الدّول في العالم بنقل المتعلّم إلى العصر الرّقمي، حيث استطاعت أن تؤمّن له درعًا تربويًّا مكّنه من عدم الانحدار التربويّ، لا بل ساهم في صقل خبراته وتطويرها تماشيًا مع التطوّرات العالميّة كلّها. وهذا ما سيساهم بدوره في جعل المتعلّم اللبناني رائدًا في الميدان الدّولي تربويًّا، وبالتّالي سيسهم في بناء المواطن اللبناني المنفتح الذي يواكب التطوّر العالمي من دون الانزلاق والضياع في متاهات عالم الرقمنة.



