
في لحظة لا تحتمل التأويل، تسلّم الرئيس نبيه بري النعوة. لم يكن بحاجة إلى قراءتها، فعيونه قرأتها قبل أن تلامسها أصابعه. للحزن طقوسه التي لا تحتاج إلى الحبر والورق. للحسرة لغتها التي لا تحتاج إلى كلمات بل نظرات من رائحة العمامة السوداء .
كثيرون هم الذين ساروا معه درب المقاومة، غير أن القليلين هم الذين حفروا أسماءهم في ذاكرة الأرض، وكان الأخ السيد حسن أحد هؤلاء القلّة. رجلٌ لم يكن يحتاج إلى عناوين، فالتاريخ لا يضع الألقاب أمام الأسماء بل يختبر الأفعال، ويزن الرجال بميزان اللحظات الفاصلة بين الشك واليقين، بين الصمود والتراجع، بين الانتصار والهزيمة.
اليوم، تسلّم النعوة كأنها إعلان نهاية فصلٍ من كتاب لم يكتمل. كأنها مرسوم نعيٍ لمرحلة، لمجرى نضالٍ طويل كُتب بليالي الحصار وأيام الصبر وأزمنة التضحيات التي لا تُحصى.
كأنها إعلانٌ بأن التضحيات التي قُدّمت، لم تكن كافية لإبقاء الرجل حيًّا، رغم كل الآمال التي عُلّقت، رغم كل الدعاء الذي صعد إلى السماء، رغم كل الرجاء الذي خبّأته القلوب في انتظار معجزةٍ لم تأتِ. في لحظة فتح النعوة، لم يكن الرئيس بري يقرأ مجرد كلمات سوداء على ورق أبيض.
كان يقرأ ذاكرةً من التفاصيل، من الاجتماعات السرية، من التحالفات التي صمدت رغم كل العواصف، من الليالي التي تُركت فيها السياسة جانبًا ليبقى المبدأ فوق الطاولة، من الوعود التي لم تكن تحتاج إلى توقيع لأنها كُتبت بالدم، لا بالحبر. ما أصعب أن يشيّع المرء شريكه في الدرب.
أن يكون عليه أن يقرأ النعوة بدلًا من أن يقرأ رسالةً أخرى، رسالة تحدٍّ جديد أو خطةً أخرى لمواجهة الرياح العاتية التي لا تزال تعصف بهذا الوطن. لكن الأقدار لا تستأذن، والتاريخ لا ينتظر. اليوم، لا يُنعي رجلٌ فحسب، بل يُنعي زمنٌ بأكمله، زمنٌ من الرجولة التي لم تكن بحاجة إلى استعراض، ومن المواقف التي لم تكن تحتاج إلى تفسير، ومن التحالفات التي لم تكن تحكمها المصالح بل الإيمان بالحقّ.
الرئيس بري فتح النعوة… وأغمض عينيه لحظةً. ربما ليس خوفًا من الكلمات، بل لتأمّل ما بقي من زمنٍ كان فيه حسن نصرالله سيد المقاومة .
بأمان الله يا سيد



