مقالات

الإعلام اللبناني بين حرية الرأي والتضليل: ساحة مفتوحة أم فوضى إعلامية؟

يُعرف لبنان بتعدديته الإعلامية التي جعلته، تاريخيًا، منبرًا لحرية التعبير في العالم العربي. غير أن هذه الحرية، التي كفلها الدستور والقوانين، تصطدم اليوم بتحديات عديدة، أبرزها الانقسام السياسي، والتضليل الإعلامي، وغياب الضوابط الفعالة لضمان المهنية والموضوعية. فإلى أي مدى يمكن القول إن الإعلام اللبناني يمارس حرية الرأي؟ وأين تبدأ حدود التضليل؟

حرية الإعلام في الدستور والقوانين

يكفل الدستور اللبناني في مادته الثالثة عشرة حرية التعبير والصحافة، حيث تنص على أن:

“حرية إبداء الرأي قولًا وكتابة، وحرية الطباعة، وحرية تأليف الجمعيات، وحرية الاجتماع، كلها مكفولة ضمن دائرة القانون.”

كما أن قانون المطبوعات الصادر عام 1962 يضمن حرية النشر، لكنه يضع قيودًا على المساس بالرموز الدينية أو التحريض الطائفي أو التشهير بالشخصيات العامة.

أما الإعلام المرئي والمسموع، فيخضع لرقابة المجلس الوطني للإعلام، وهو هيئة استشارية لا تملك سلطة تنفيذية، ما يجعل الرقابة على المحتوى الإعلامي محدودة ويترك المجال أمام التجاوزات.

الإعلام بين الحرية والتبعية السياسية

على رغم وجود أكثر من عشر قنوات تلفزيونية وعشرات الصحف والمواقع الإلكترونية، إلا أن معظم هذه الوسائل الإعلامية تابعة لجهات سياسية أو طائفية، ما يجعل تغطيتها الإخبارية متأثرة بالأجندات الخاصة، بدلًا من أن تكون مستقلة في نقل الحقيقة.

على سبيل المثال، يمكن ملاحظة التناقض في التغطية الإعلامية بين القنوات اللبنانية عند تناول القضايا الوطنية، حيث تعرض كل وسيلة رواية مختلفة للأحداث نفسها، وفقًا لمصالح الجهة التي تموّلها.

التضليل الإعلامي وانتشار الأخبار الكاذبة مع توسع وسائل التواصل الاجتماعي، بات التضليل الإعلامي أكثر انتشارًا. في عام 2019، خلال الاحتجاجات الشعبية التي شهدها لبنان، تم تداول أخبار غير صحيحة حول المصارف والانهيار المالي، ما زاد من حالة الهلع بين المواطنين. كما استخدمت بعض القنوات تقارير مفبركة أو غير دقيقة لتوجيه الرأي العام وفقًا لميولها السياسية.

ورغم وجود قانون المعاملات الإلكترونية والجرائم المعلوماتية (2018)، الذي يجرّم نشر الأخبار الكاذبة، إلا أن تطبيقه غالبًا ما يكون انتقائيًا ويستخدم أحيانًا كأداة لقمع الصحافيين المستقلين بدلًا من محاسبة الجهات الكبرى التي تروج للمعلومات المضللة.

بين الحاجة إلى الضوابط وضمان الحرية إن إصلاح الإعلام اللبناني يتطلب:

1. تعزيز استقلالية وسائل الإعلام عبر فرض قوانين شفافة لمنع التبعية السياسية والتمويل المشبوه.

2. تفعيل دور المجلس الوطني للإعلام ليكون هيئة تنظيمية ذات صلاحيات تنفيذية، وليس مجرد جهة استشارية.

3. محاسبة وسائل الإعلام التي تنشر الأخبار الكاذبة دون المساس بحرية الصحافة.

4. تعزيز ثقافة التحقق من المعلومات عبر دعم الصحافة الاستقصائية والمنصات المتخصصة في كشف التضليل الإعلامي.

خاتمة

الإعلام اللبناني لا يزال ساحة مفتوحة لحرية الرأي، لكنه يواجه تحديات خطيرة تتمثل في التبعية السياسية والتضليل الإعلامي. وبينما تبقى حرية التعبير حقًا مقدسًا، فإن مسؤولية الإعلام في تقديم معلومات دقيقة وموضوعية يجب أن تكون أولوية، حتى لا تتحول هذه الحرية إلى فوضى إعلامية تهدد استقرار المجتمع وتضلل الرأي العام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى