لبنان

لبنان بين الكلمات والواقع: قراءة في البيان الوزاري لحكومة نواف سلام

يُسجّل البيان الوزاري لحكومة نواف سلام خطوة جديدة في تاريخ لبنان الحديث، لكنها خطوة لا تزال تتأرجح بين الأمل والحذر، بين وعود قد تبدو جذابة، ولكنها تفتقر إلى الجدية الكافية. قد يُنظر إلى البيان الوزاري على أنه خريطة طريق، لكن هذه الخريطة، كما هي العادة اللبنانية، مليئة بالفراغات التي لم يُملأ سوى بالقليل من التفاصيل، أو ربما بالأحرى بوعد لم يتحقق بعد.

لكن ما يجذب الانتباه أكثر، في هذه المرحلة الحرجة التي يعيشها لبنان، هو ما غاب عن البيان أكثر من الذي ورد فيه، فما بين الأسطر تكمن الأسئلة الكبرى.

الإصلاحات الإقتصادية

لنكن صرحاء، إن النقاط التي حملها البيان الوزاري بشأن الإصلاحات الاقتصادية وحفز النمو وتطوير القطاع العام، تُعتبر بلا شك خطوات إيجابية نحو المستقبل. فالمعادلة واضحة: اقتصاد منهار، وقطاع عام مشلول. من هنا، كانت الدعوات إلى إعادة هيكلة القطاع المالي وتعزيز الشفافية وإصلاح البنية التحتية، بمثابة الوعود التي يمكن أن تُعيد الأمل إلى اللبنانيين المتعبين.

لكن السؤال الذي لا يمكن تجاهله هو: هل يمكن للحكومة أن تترجم هذه الكلمات إلى واقع ملموس؟ هل لدينا آليات فعلية للنهوض الإقتصادي وللحد من الهدر الذي طالما كان أحد أبرز أوجه الأزمة اللبنانية؟ أم أننا سنكون رهينة المساعدات الخارجية المشروطة على حساب سيادتنا ؟

السيادة والدفاع عن لبنان:

يبقى الملف الأبرز هو مسألة السيادة والدفاع عن لبنان. في هذا الصدد، كان من المتوقع أن يتضمن البيان الوزاري تأكيدًا صريحًا على حق الشعب في الدفاع عن نفسه بكل الوسائل المتاحة، بما في ذلك المقاومة. صحيح أن البيان قد أشار إلى أهمية تعزيز قدرات الجيش اللبناني، وهذا أمر مطلوب، إلا أن غياب أي إشارة صريحة إلى دور المقاومة في الإستراتيجية الوطنية يُعدّ إغفالًا غير مبرر، بل هو نقطة ضعف كبيرة في هذا البيان.

إن مواجهة لبنان للتهديدات المستمرة على حدوده، خصوصًا من إسرائيل، تستدعي الإقرار بدور المقاومة كجزء أساسي من هذه المعادلة الدفاعية. فهل يعقل أن يتم تجاهل هذا الدور في سياق حديث عن السيادة الوطنية؟

لبنان لا يمكنه أن يحقق الاستقرار إلا إذا كان لديه استراتيجية دفاعية واضحة، ومشاركة الجميع في تحمل عبء الدفاع عن الوطن. وإذا كانت الحكومة تسعى إلى بناء دولة قوية قادرة على مواجهة التحديات، فإن هذا يتطلب منها الاعتراف بدور المقاومة في معادلة الدفاع الوطني، وأن تضع هذا الدور في إطار قانوني يحفظ توازن المؤسسات ويؤكد استقلالية الدولة.

ملف النزوح السوري

تبقى الأسئلة الأخرى معلقة: هل يمكن للحكومة أن تجد حلاً حقيقيًا لقضية النزوح السوري التي تؤرق اللبنانيين وتثقل كاهلهم؟ لم يتطرق البيان الوزاري بشكل كافٍ إلى هذه المسألة، التي لا تقل أهمية عن سائر القضايا الأخرى بل إكتفى بوضعها ضمن إجراء حوار مع الجانب السوري وهذا قد يستغرق وقتا” طويلا” وعليه إن لبنان بحاجة إلى خطة شاملة لإدارة هذا الملف، على المستويين الإنساني والأمني، بعيدًا عن أي حسابات سياسية ضيقة وعلى المجتمع الدولي أن يتحمل واجباته إتجاه لبنان في هذا الخصوص. وبدون حل هذه القضية، فإن أي إصلاح اقتصادي أو اجتماعي سيظل ناقصًا وغير فعال.

أمام هذا المشهد، يبقى البيان الوزاري لحكومة نواف سلام مشروعًا واعدًا، لكنه يحتاج إلى ترجمة فعلية على أرض الواقع. وقد تكون هذه الترجمة ممكنة، إذا ما تمكنت الحكومة من تحويل النوايا الطيبة إلى إصلاحات حقيقية تُعيد بناء الثقة بين الدولة والمواطنين. لبنان لا يحتاج إلى خطب وأحاديث عن النهوض الإقتصادي ، بل إلى إجراءات ملموسة على الأرض. والأهم من ذلك، أن لبنان يحتاج إلى حكومة تتحمل مسؤولياتها في الدفاع عن سيادته، والوقوف في وجه التدخلات والضغوطات الخارجية .

في النهاية، ما لم تتم معالجة هذه القضايا الكبرى بشجاعة ووضوح، ستظل كلمات البيان الوزاري حبرًا على ورق، ولن تنجح الحكومة في استعادة الثقة أو إحداث التغيير الذي ينتظره اللبنانيون وسيقتصر دورها كما يطلق عليها البعض “حكومة الإنتخابات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى