
وسط لهيب الحرب ودوي الانفجارات، كانت هناك أيادٍ تمتد نحو الحياة، عيون تسهر على الجرحى، وأرواح تهرع بلا خوف إلى قلب المعركة، حيث تتساقط القذائف كالمطر، ويختلط الغبار بالدمع. إنهم شباب جمعية كشافة الرسالة الإسلامية الدفاع المدني، أولئك الذين لم يسألوا عن الخطر، بل سألوا: “أين الجريح؟ أين الطفل المذعور؟ أين العائلة المشردة؟” في شوارع الجنوب التي خطّت ببطولات المقاومين، وعلى امتداد القرى التي سقطت عليها نار العدوان، حمل هؤلاء الشباب ضماداتهم بدلاً من السلاح، ونثروا صوت الأمل في وجه الموت.
كانوا هناك، في سيارات الإسعاف، تحت الركام، بين الأزقة الضيقة التي عجزت حتى الشمس عن الوصول إليها. كانوا ملائكة الرحمة، وطلائع الإنسانية في زمن الوحشية.
عندما يصبح الإنقاذ شهادة
لم يكن دور كشافة الرسالة مجرد إسعاف جريح أو نقل شهيد، بل كان تجسيدًا للبطولة في أسمى معانيها.
بعضهم حمل الجرحى على أكتافه ولم يعد، بعضهم دخل إلى المناطق المستهدفة ليسرق من الموت حياة أخرى، ثم عاد محمولًا على الأكتاف شهيدًا. وهل هناك أنبل من أن يموت الإنسان وهو يمد يده للحياة؟
في كل محطة من محطات الحرب، كانوا الصوت الذي لم ينكسر، والحضور الذي لم يتردد. لم ينتظروا شكرًا، ولم يبحثوا عن أوسمة. كان وسامهم وجه طفل أنقذوه، وأجرهم نظرة أم استعادوا إليها ابنها من بين الأنقاض.
تحية إلى من جعلوا الوطن أكبر من الطوائف
اليوم، وبعد أن خفت صوت المدافع، وبعد أن هدأت العاصفة، لا يمكننا إلا أن نقف إجلالًا لهؤلاء الفتية الذين أثبتوا أن لبنان ليس مجرد طوائف، بل هو رسالة.
رسالة أن هناك من لا يسأل عن هوية الجريح قبل أن يسعفه، ولا يسأل عن انتماء العائلة قبل أن يمنحها خيمة. إلى قيادة جمعية كشافة الرسالة الإسلامية، إلى كل عنصر ارتدى زيه الكشفي وحمل أمانة الإنسان، شكرًا لأنكم كنتم الأمل حين ساد اليأس، وشكرًا لأنكم كنتم الحياة حين انتشر الموت.
أنتم لم تكونوا مجرّد مسعفين… كنتم بوصلة الوطن نحو شرف التضحية، نحو المعنى الحقيقي للإنسانية.



