
منير يونس
مع بداية موسم الصيف، يستعد لبنان لاستقبال عدد كبير من السياح، في ظل توقعات بتحقيق إيرادات تصل إلى 4 مليارات دولار. ولا شك في أن عودة الحركة السياحية إلى لبنان تشكل بارقة أمل لعدد من القطاعات المتضررة بفعل الأزمة الاقتصادية: الفنادق تملأ غرفها، المطاعم تستعد لاستقبال الزوار، والأسواق التجارية تعيد ترتيب رفوفها لموسم يبدو واعداً.
جرعة موسمية أم حل مستدام؟ لكن هل يمكن لموسم اصطياف مزدهر أن يشكل جزءً من حل للأزمة المالية والاقتصادية الخانقة؟ أم أنها مجرد جرعة موسمية لا تلبث أن تتبخر آثارها مع انتهاء الصيف؟
التحدي الأكبر يكمن في استفادة خزينة الدولة من هذه العائدات بشكل فعلي. في بلد يعاني من تهرب ضريبي واسع النطاق، تُطرح تساؤلات جدية حول مدى استفادة المالية العامة من هذه الطفرة المؤقتة. فالعديد من المؤسسات السياحية، من فنادق ومطاعم ومنتجعات، تعمل دون تسجيل أرباحها الحقيقية في سجلات الدولة، مما يحرم الخزينة من إيرادات تحتاجها بشدة.
الخسائر المتوقعة بسبب التهرب الضريبي: إذا افترضنا أن الإيرادات السياحية المتوقعة هذا الصيف تصل إلى 4 مليارات دولار، وأن نسبة التهرب الضريبي في لبنان تصل إلى 50% وفقًا لتقديرات وزارة المالية، فإن 2 مليار دولار من الايرادات غير خاضعة للضريبة. وإذا كانت الضريبة المتوجبة على هذه الإيرادات تقدر بحوالي 15%، فإن المبلغ المهدور يصل إلى حوالي 300 مليون دولار تذهب لجيوب المتهربين من الضرائب على حساب الدولة والاقتصاد والمجتمع.
ارتفاع الأسعار على حساب المواطن: مع تزايد الإقبال السياحي، ترتفع الأسعار بشكل تلقائي في القطاعات الخدمية والتجارية، مما يضعف القدرة الشرائية للمواطنين العاديين. ففي ظل وجود سياح مستعدين لدفع أسعار مرتفعة بالدولار، تتجه العديد من المحلات والمطاعم والفنادق لرفع أسعارها، مما يجعل تكاليف المعيشة اليومية تفوق قدرة الكثيرين على تحملها. وبذلك، يجد المواطن اللبناني العادي نفسه مضطراً لمواجهة موجة غلاء جديدة تضاف إلى أزماته اليومية ووزارة الاقتصاد أشبه بشاهد زور على هذا الواقع الشاذ.
ارتفاع تذاكر السفر عبء على المغتربين اللبنانيين: تضاعفت أسعار تذاكر السفر إلى لبنان بنسبة 100% على الأقل ، مما يشكل عبئاً مالياً على المغتربين اللبنانيين الذين يرغبون في قضاء عطلتهم الصيفية في ربوع الوطن. فكثير من المغتربين هم من الطبقات المتوسطة والعاملة، سيجدون أنفسهم غير قادرين على تحمل هذه التكلفة الباهظة.
الاعتماد الواسع على العمالة السورية: مشكلة إضافية: يعتمد القطاع السياحي بشكل كبير على العمالة السورية، سواء في الفنادق، المطاعم، المقاهي، أو حتى في خدمات النقل والتنظيف. ورغم أن هذه العمالة توفر يدًا عاملة رخيصة وسريعة التكيف، إلا أن تدفق الأرباح الناتجة عن هذا الموسم قد لا يبقى في لبنان. وتُقدّر تحويلات العمال السوريين من لبنان إلى سوريا بمئات ملايين الدولارات في المواسم العادية، وقد تزداد خلال الموسم السياحي.
تأثير اقتصادي محدود: على الرغم من ارتفاع الإيرادات بالدولار، فإن الدورة الاقتصادية لا تكتمل محليًا، فلبنان يستورد ٨٠٪ من حاجاته حيث تخرج هذه الأموال لشراء سلع من الخارج، مما يقلل من أثر السياحة على الاقتصاد. فبدلاً من أن تعزز السياحة الاقتصاد المحلي، تتحول الأرباح إلى زيادة الاستيراد، مما يعمق مشكلة عجز الميزان التجاري
من المعضلات الكبرى التي يعاني منها الاقتصاد اللبناني هيمنة الاقتصاد النقدي (الكاش) على النشاط المالي. تشير التقديرات إلى أن الاقتصاد النقدي يشكل حوالي 50% من الناتج المحلي الإجمالي. فالمصارف اللبنانية أشبه بمؤسسات “زومبي” لا تملك القدرة على الافادة من تلك الايرادات في ادخار يُفترض ان يوجه للاقراض وتنمية الاقتصاد. الأرباح التي تتحقق من السياحة لا تجد طريقها الى البنوك التي لا ثقة بها، بل ستخرج الى مصارف اجنبية .
اقتصاد ريعي ضعيف: منذ التسعينيات، اعتمد لبنان على السياحة والعقار والخدمات المالية، مهملًا القطاعات الإنتاجية مثل الصناعة والزراعة. فعندما كانت التدفقات المالية من السياحة والمغتربين وفيرة، تم إغفال بناء اقتصاد منتج ومستدام حتى وصلنا الى الأزمة بعدما إنفجرت الفقاعة. اليوم، يبدو أن الحكومة تكرر نفس النهج دون استخلاص العبر، مما يعرض الاقتصاد الوطني لمخاطر جمة عند أول أزمة سياسية أو أمنية. إن الاعتماد على السياحة كمدخل رئيسي دون تعزيز القطاعات الإنتاجية يجعل الاقتصاد هشاً ومعرضاً للصدمات الخارجية.
رغم كل ذلك: أهلاً بالسياح خصوصاً في بعلبك



