أخبار البلديات

الجنوب يكتب رسالة وفاء بالتزكية: شكراً لمن انسحب

في جنوب لبنان، حيث لا تزال رائحة البارود تعبق في سماء القرى المدمرة، وحيث لا تزال أطراف بعض البلدات ترزح تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي، تجري هذا الأسبوع الانتخابات البلدية والاختيارية في ظروف أمنية شديدة التعقيد، وعلى أنقاض حرب شرسة أودت بحياة شهداء وجرحى، ودمّرت الحجر والبشر.

ومع ذلك، فإن أبناء الجنوب بمختلف قناعاتهم السياسية، الذين صمدوا وقاتلوا ببسالة ضمن صفوف الثنائي الوطني الشيعي، أصرّوا على توجيه رسالة مختلفة هذه المرّة… رسالة وفاءفبعد انتهاء الانتخابات في بيروت والبقاع، وجّه موقع “ابن البلد نيوز” دعوة صريحة إلى أهل القرى الحدودية جنوب الليطاني – أو ما يُعرف بالشريط الحدودي سابقًا – للامتناع عن الترشّح في وجه لوائح الثنائي الوطني، والانضمام إلى خيار “التزكية” كرسالة وحدة وامتنان لمن صمدوا في خنادق الدفاع عن الأرض.

دعوة لم تكن سهلة الهضم في البداية، وقوبلت بالاستغراب وحتى بالرفض من بعض الأوساط الانتخابية، التي طالبت الموقع بـ”تهدئة الخطاب”.

لكن الموقع المعروف بدقّته في مقاربة أي ملف وتمسّكه بالحجج، قدّم مقاربة وطنية مقنعة لكل من تواصل معه، سرعان ما تحوّلت إلى قناعة راسخة لدى شرائح واسعة في الجنوب، بمن فيهم مرشحون انسحبوا طوعًا احترامًا للدماء التي سالت دفاعًا عن الأرض بعد جهود جبارة قامت بها اللجان الانتخابية للثنائي في كافة القرى والتي أثبتت قدرتها على القيادة الواعية لهذه الإنتخابات وأنجزت لوائح توافقية تضم نخب من كل العائلات وما زالت تعمل على مدار الساعة للوصول إلى أكبر عدد ممكن من التزكية .

وفي اليوم التالي، غصّت مواقع التواصل الاجتماعي برسائل وفاء منسحبة، أطلقها مرشحون فضلوا وحدة الصف على التنافس الانتخابي، بل تعدّت هذه الموجة قرى الشريط الحدودي، لتطال عددًا من القرى شمال الليطاني، خاصة تلك القريبة من مجرى النهراليوم، وعلى بُعد أيام قليلة من موعد الاقتراع، تُسجّل نسبة التزكية في قرى الشريط الحدودي رقمًا غير مسبوق بلغت ٩٠٪، مع احتمال بلوغ ٩٦٪ في حال تم التوصل إلى توافق في عدد قليل جدا” من قرى ما زالت تعاني من انقسامات عائلية تقليدية وفي القرى التي ستخوض الإنتخابات فإن الجنوبيون سيلبون نداء دولة الرئيس بري وسيشاركون بكثافة للاقتراع لوائح التنمية والوفاء والتي تضم نخب من الثنائي والعائلات والقوى السياسية.

هذه النسبة، في منطقة ما تزال مدمرة وقبل حتى انطلاق ورش الإعمار، تُعتبر رسالة سياسية ووطنية من العيار الثقيل لكل دول العالم: “أهل الجنوب لا ينافسون من حمى أرضهم بالدماء”.

هي عبارة تختصر وجدان الجنوبيين الذين رأوا في التزكية أبلغ تعبير عن امتنانهم للمدافعين عن أرضهم، وتمسكهم بخيار الصمود والوحدة.

لكنّ الموقف الأجمل، والذي يستحق التوقف عنده بإجلال، هو موقف أولئك الذين انسحبوا رغم امتلاكهم كل الكفاءة والقدرة على الخدمة العامة. هؤلاء يجب ألّا يُترَكوا خارج إطار القرار المحلي بل من الواجب الأخلاقي والوطني أن يُصار إلى إشراكهم لاحقًا في اللجان البلدية الموازية، والاستفادة من طاقاتهم وخبراتهم، وفاءً لموقفهم النبيل، وردًّا للتحية بمثلها.

في زمن التشظي والانقسام،كتب الجنوبيون على أشجار الزيتون الخالدة فصلا” جديدا” من فصول الانتصار … فصلًا عنوانه الوفاء، ونصّه: نحن نزكي الدماء في زمن الحصار العالمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى