
قرأتُ مقالك يا فيليب حنين، فلم أجد فيه مضمونًا حقيقيًا، بل شعارات فضفاضة وأفيشات تفتقر إلى الدقة والعمق، أشبه بمواقف انفعالية لا تستند إلى وقائع.
تتهم نبيه بري بأنه “ألغى الزعامات الشيعية”، وتتناسَى عن جهلٍ أو عن قصد أن هذه الزعامات، من آل عسيران إلى آل حمادة وآل بيضون وآل الصلح وآل الخليل، لم تُقصَ بل كانت شريكة في المسيرة السياسية، ضمن توازنات واحترام متبادل، لا عبر الإلغاء.نبيه بري لم يكن يومًا مشروع احتكار، بل مشروع بناء طائفة ووطن.
وإن أردتَ الوقائع، فهي أمامك:
أسّس الجامعات والمعاهد المهنية في الجنوب، بدءًا من الجامعة اللبنانية في النبطية، إلى المدارس الرسمية النموذجية، ومجمّعات التعليم المهني والتقني في صور وبنت جبيل ومرجعيون.
أعاد الاعتبار للمناطق المنسية في الجنوب والبقاع عبر إقامة مراكز الدولة والمؤسسات الرسمية، من قضاء وعدلية ومصالح مياه وكهرباء ومكاتب أحوال شخصية.
دافع عن العيش المشترك بالأفعال، لا بالشعارات، يوم وقف مع صيدا كما مع النبطية، ومع إقليم الخروب كما مع تبنين، مؤمنًا بأن الجنوب ليس طائفة بل شراكة وطنية.
خاض معارك تشريعية كبرى، بدءًا من إقرار قوانين حماية التعليم الرسمي، إلى حقوق العاملين والمتعاقدين، إلى تشريعات دعم الزراعة في الجنوب والبقاع.
وفي الحرب والسلم، لم يترك الجنوب بلا مظلة سياسية. كان هو من واجه مشاريع تقسيم الجنوب وجعل من حركة “أمل” قوة تحرر وطني لا مليشيا إلغاء.
ولنكن أكثر تحديدًا، فلننظر إلى دوره على مستوى التشريع الوطني:
نبيه بري أدار مجلس النواب لأكثر من ثلاثة عقود، أقر خلالها مئات القوانين الأساسية التي حافظت على مؤسسات الدولة، في الصحة، والتربية، والعمل، والشؤون الاجتماعية، والمقاومة.
دعم إقرار قانون استقلالية القضاء، وقانون سلسلة الرتب والرواتب، والقانون النسبي للانتخابات، وساهم في بلورة قوانين إصلاحية مصرفية بعد أزمة ٢٠١٩.
كان الصوت الثابت في الدفاع عن الجيش اللبناني، سواء عبر الموازنات أو عبر القوانين الداعمة له، أو من خلال المواقف الثابتة التي منعت المسّ به كضمانة وطنية، في أكثر من محطة حرجة.
أما في الحوار الوطني، فكان نبيه بري هو الذي جمع من تفرّقوا، وأعاد فتح قنوات التواصل حين أُغلقت كل الأبواب. كان عرّاب طاولة الحوار في مجلس النواب، ونجح في تثبيت الاستقرار في اللحظات المفصلية، لا سيّما بعد ٢٠٠٥ و٢٠٠٨، مرورًا بأزمة الفراغ الرئاسي.
وأنت يا سيد فيليب، ماذا قدمت للبنان؟ ومن كلفك أصلًا الدفاع عن الزعامات الشيعية؟ ومن منحك صلاحية تقييم رجل دولة بحجم نبيه بري؟
ثم فلنضع جانبًا المواقف الشخصية، ونسأل عن مهنيتك الصحافية. في مقالك، خلط بين الرأي والمعلومة، لم نرَ توثيقًا، لا تواريخ، لا أرقام، لا مصادر. مقالك خلا من أي توازن، لم يعرض وجهة نظر الطرف الآخر، ولم يلتزم بأبسط قواعد السرد الصحافي.
أين الدقة؟ أين الشفافية؟ بل أين المعيار الأخلاقي في إطلاق أحكام مصيرية بحق رجل ما زال حارسًا للاستحقاقات الوطنية، وشريكًا في صناعة استقرار لبنان، منذ الطائف وحتى اليوم؟
أما عن الفيدرالية التي تروّج لها، فدعنا نسألك: هل هي مشروع واقعي أم تفتيت مقنّع؟ هل هي حلّ أم تقسيم؟ وهل تملك حق الطرح باسم اللبنانيين أم أنها قناعات شخصية تحاول فرضها كبديل عن الدولة المركزية التي لطالما دافع عنها نبيه بري؟
وأخيرًا، ماذا ورث نبيه بري من الإقطاعيين الذين تدافع عنهم؟
ورث طائفة كانت مهمّشة ومحرومة، بلا بنى تحتية ولا مؤسسات ولا جامعات ولا مستشفيات. أما اليوم، فهذه الطائفة أصبحت خزان كفاءات، وشريك في المعادلة الوطنية والدولية.
إسمع يا عاشق الفيدرالية ، تاريخ الأوطان لا يُكتب بالغضب، بل يُكتب بالحقائق والإنجازات. ونبيه بري، شئت أم أبيت، هو خليفة الصدر… وحارس الأمل و صانع الوطن.



