خاص | ابن البلد نيوز

من طلال سلمان إلى عفيف جوني… إلى غادة: سيرة وطن لا يسكت


لم أكن لأتوقع أبدًا أن ألتقي به في ذلك المكان.
ربما كانت صدفة، وربما قدر، أو ربما كانت سرًّا من أسرار “نسمة”، أو محطة “على الطريق”. لا أدري.
لكنها كانت حقيقة، وكان طلال سلمان.
كان اللقاء في بيت جنوبيّ، جدرانه من طين هذه الأرض، ورائحته من زعترها، وظله من عريشتها وتينها.
وفي لحظة من “هوامش” الحياة، وجدتُ نفسي أمام من قرأته يومًا “عندما احترقت بيروت ولم ترفع الرايات البيضاء”،
ومن عبر مع القناة، وعاد مع أحمد وبلال وسناء،ومن رسم على جدران عواصم العالم حكاية الجنوب.

جلستُ أنظر إلى التاريخ يتحدّث أمامي بلغة الحاضر.
كان طلال سلمان يستعمل حروفنا التي نعرفها، لكنه كان يتكلّم بلغته الخاصة.
وفجأة، سألني عن اسمي بعد أن أجبته، عقد حاجبيه وقال: “بيقربك عفيف جوني؟”
بصراحة، خجلت. لم أعرف من هو عفيف جوني، ولم أستطع الإجابة.
وعلى الطريقة الجنوبية، قلت: “من العيلة”.
ضحك طلال سلمان، وهزّ برأسه، وقال:
“شكلك ما عرفت مين عفيف!”
ثم أغمض عينيه، وحلّق في ذاكرته، واستحضر من بيروت صفحة من صفحاتها، عنوانها: “العمل النقابي العمالي”
وعندما يتحدث طلال سلمان عن بيروت، فهو يتلوها كما لو كانت سرًّا إلهيًّا وضعه الله في روحه.
وانطلق يروي حكاية من زمن نضالي، تشهد عليه زواريب المدينة، عن رجال حملوا قضيّة العمال على أكتافهم، وكان نضالهم معركة وطن.

وفي لحظة من عظمة، ردد سفير الكلمة عبارة أذهلتني:
“تعلّمتُ من عفيف وأمثاله كيف تكون أفعالنا ميزان كلماتنا.”
واكتملت تلك السهرة، وأنا أنظر إلى طلال سلمان، يعبر في بحر ذكرياته،
يعارك أمواج الحرية، ويرسو على ميناء العروبة…
من ناصر إلى الوحدة، إلى النكبة، إلى الترحيل، إلى التحرير.
انتهت السهرة، ومضى مارد الكلمة، ولم ينقطع التواصل،
وبقيتُ أبحث عن عفيف جوني… في أرشيف “السفير”، وبين صفحات الذاكرة.

من بيت الجنوب إلى الجامعة اللبنانية: صوت غادة
في العام ٢٠١٩، وخلال ندوة في الجامعة اللبنانية بعنوان:
“التسرّب المدرسي في لبنان… بين الوقاية والمعالجة”،
لفتتني مداخلة ألقتها الدكتورة غادة جوني عن “التفكر المهني كرافعة للإصلاح التربوي”.
كان أسلوبها جديدًا:
اعتلاء واثق للمنبر، لغة علمية عالية، ترحيب حار بالحضور، تنقّل مرن بين المفاهيم،
وحتى وهي تروي تجربة “نهاية” التي ناقشت “نهاية”، كانت تعرض مثالًا عميقًا على نقد الذات والمهنة باسلوب عبقري نقدي يمزج بين الواقع و الخيال والروح المرحة.
منذ ذلك الحين، بدأتُ أتابعها:
محاضرة للشباب هنا، ندوة عن التعليم هناك، حلقة على الويب، مؤتمر، ورشة عمل…و غادة جوني لا تهدأ
وفي كل مرة، كانت غادة جوني تجتاح الساحات التربوية والفكرية تعتلي المنابر تقود ورش العمل تطرح تسأل تتسال تجاوب تنتقد ترفض تلخص و تبني بيتا” في قلوب الحاضرين و مدماكا” في عقولهم،
بأسلوب يجمع بين القدرة العلمية، البلاغة الفكرية، والثورة على الخطأ.
كانت تخوض خطاباتها التربوية كما لو أنها تقود جيوشًا فكرية، وكان حضورها يربك الصمت، ويحرك الوعي، ويضيء السبيل في أنفاق الحرمان و كأنها تقول لنا من هنا الطريق يا أبناء الوطن اتبعوني.
ثم تمّ تأسيس الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية والتي تعتبر نواة فكرية علمية متطورة، ولفتني أنها من أعضائها المؤسسين.
ومع الأيام، تراكمت الأحداث وبعدت المسافات، وبقيتُ أتابع النقاشات و غادة جوني تعبر بنا من محطة الى محطة تربط بين البحث العلمي و الواقع وفي كل مرة، كنت أقرأ لطلال سلمان، أتذكّر عفيف جوني، وأحاول أن أبحث عنه في أرشيف “السفير”، بين أعمد تها و خلف سطورها سألت عنه في كل شوارع بيروت وساحات نضالها سمعت عنه و عن مواقفه و كيف تحدى الرصاص بصدره و لم يتراجع سمعت أصداء صوته في أرغفة العمال و رأيت ملامحه في عرق الكادحين و لم أعثر على من يكون عرفته رمزا” و قرأته خطابا” ولكن لم أجده شخصا”.
إلى أن وقعت عيني بالأمس على هذه المدونة:
كتب والدي في جريدة “الأنباء” بتاريخ ٢٠ أيلول ١٩٧٤
“الحكم الذاتي الذي نريد”
بقلم: عفيف جوني
” بعد هذا الجو العام من الفوضى والفساد المستشري في كامل إدارات الدولة وأجهزتها،
وبعد فلتان حبل الأمن من طرفيه نتيجة فقدان هيبة الدولة،
وبعد موجة الغلاء الفاحش المتصاعد يوميًا دون حسيب أو رقيب،
وبعد هذا الشعور السائد عند جميع المواطنين بأنه لا توجد حكومة في لبنان على مستوى المسؤولية،
نطالب بوجود حكومة؟! حكومة تحكم لبنان واللبنانيين،
حكومة تزيل الشعور السائد بأن هناك مناطق محرّمة ومناطق محرومة…”

والدي
يُخجلني قول أننا حيث وصّفتنا،
ولأكون صادقة، فالوضع أسوأ،
ووعدي لكَ دائمًا
أنني على هذه الخطى
لاسترجاع وطن ✊🇱🇧
الدكتورة غادة عفيف جوني

يبدو أن طلال سلمان حملني أمانة البحث عن عفيف جوني، ذلك النقابي المناضل في ساحات الرغيف.
ومن عفيف إلى غادة… نضال مستمر، ولو اختلفت الساحات،وما أردته أن أدون في حضوركم أنكم عندما تسمعون غادة جوني تحاضر ،أنتم ترون عفيف .
ويبقى طلال سلمان صوت من لا صوت لهم،
وذاكرة وطن لا تنام. و من يدري ربما هو “نسمة” ” على طريق ” هوامش الحرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى