
أربعون عاماً وهم يطوّقون جسداً يأسرونه بقضبانهم وهو يأسرهم بأفكاره ، أربعون عاماً والزنزانة تضيق، لكن العيون وحدها كانت تتّسع، تلمع كلما مرّ رفيق في الذاكرة، وتلقي التحية على من صمدوا وعلى من رحلوا، على من قاوموا بالسلاح، وعلى من قاوموا بالصمود وقرروا أن يبقوا أحياء أربعون عاما” وهم يرتجفون أمام تلك العيون التي خبّأت خلف بريقها أنيناً وحنيناً لبيروت قد ضاع العمر يا وطني…
عيون لم تشتكِ، لم تُساوِم، ولم تُسقِط من حسابها دقيقةً واحدة من زمن فلسطين.كانوا يظنّون أن القضبان تُهذّب الموقف، وأن الرطوبة تذيب القناعة، وأن الليل الطويل يعلّم القلب أن يتعب. لكن جورج عبد الله كان ماردا” حراً في زنازينهم.
لم يسلّم سلاح موقفه، لم يُخفِ علمه في سقف البهو، لم يُقايض صلابته على بابٍ يُفتح أو على نافذةٍ تُغلق. قاتلهم حتى آخر لحظة صمود، وخاض حرب الإسناد الخاصة به، على طريقته: كلمةً لا تُؤخذ، توقيعاً لا يُنتزع، رأساً لا ينحني، وعيناً تُحرس الفكرة كي لا ينام العالم. مع فجر كل صباح كان جورج يأذن في مسامع العرب ويصرخ في ضمائرهم إستيقظوا إياكم أن تناموا وتتركوا فلسطين.
بالأمس مشى جورج عبدالله موحدا” خلفه الساحات . ليس لأنه عاد سياسياً منتصراً وحسب، بل لأنه عاد رمزاً يُذكّرنا أن الحرية موقف، وأن الكرامة لا تُؤجّل إلى ما بعد الحياة.
عاد المشرقيّ المسيحيّ، ابن القبيّات، الذي فهم باكراً أنّ درب الجلجلة واحدة، وأنّ فلسطين ليست قضيّة شعبٍ بعينه بقدر ما هي امتحان الإنسانية فينا، امتحان ميثاق العيش مع الحق، امتحان أن تكون حرا” فتكون فلسطين قضيتك، أيّاً كانت كنيستك أو مسجدك أو ما تؤمن به من تفسيرٍ لله.
مشى جورج عبد الله على درب جلجلة فلسطين ، بخطواتٍ من جمر. أربعون عاماً وهو يراكم في ذاكرته أسماء المدن المخنوقة تحت الحصار، وأسماء الرفاق الذين غابوا تحت التراب، وأسماء الكلمات التي حُرِمت من أن تصير خطابات في برلماناتهم العقيمة التي لم تعتد أن يولد من رحمها الأبطال.
أيها العائد من زمن الحديد، كيف حملتَ أعمارنا في حقيبةِ عمرِك؟ وكيف لم تسقط من يدك تلك الشرارة التي ظلّت تُومِض كأنها آخر حبة بخور في كنيسة فقيرة، أو آخر زنبقة على مرمى بندقية؟
كيف عبرتَ الأربعين كما يُعبر قدّيسٌ إلى أيقونته، وكمقاتلٍ إلى خيمته، وكشاعرٍ إلى بيتٍ لم يكن له، فصار له؟ أيّها الحرّ في سجنهم، يا من سجنوا الوقت حولك، ولم يسجنوا فيك لحظةً واحدةً من الحرية أيُّ بطنٍ شريفة أنجبتك .
أكتب اليوم ليس فقط لأنصف تاريخك النضالي، بل لنسأل: كم جورجاً تحتاج هذه المنطقة كي تتذكّر أنّ فلسطين ليست خبرَ ماضٍ في نشرات الأخبار؟
كم جورجاً يلزم هذا الشرق ليُعيد تعريف العروبة خارج الطائفة والقبيلة والمصرف والسياسة الصغيرة؟
كم زنزانة يجب أن تُهزَم كي نفهم أن الأمم الحيّة لا تترك أسراها يُفاوضون على الهواء البارد.
هي يد الله التي أعادتك اليوم إلى وطنٍ كاد ينسى أن البطولة ممكنة، وأنّ خلف الضجيج، وخلف الاستعراض، وخلف الحرب التي تُدار بالأرقام على الشاشات، هناك رجلٌ كان يُدير حربه بصمت. كان يصحو على صرير المفاتيح، ويغفو على خبز القناعة، ويُراكم في ليله الطويل ما يكفي من الضوء لنهارٍ جديد.
أيها العائد المشرّب بملح السجون،لقد قال غسان تويني يوماً: “دعوا لبنان يعيش”. وأنت اليوم، تقول: دعوا القيم تعيش… دعوا فلسطين تعيش، كي يعيش لبنان أيضاً.
ربما هزمك الزمن في الجسد، لكنه لم يهزمك في المعنى. أهلاً بك، أنت العائد من وراء الوقت، لتعيدنا إلى زمن الأمل وتخبرنا أن المناضلون لا يلتزمون بوقت ولا يهزمهم العمر بل يعودون كالأسرار المخبئة ليصبحون على حقيقة ،أهلا” بك لأنك بعثت فينا الأمل بعودة الإمام المغيب موسى الصدر لأن فلسطين وفية ومهما طال الزمن فإن يد الله ستعيد من سجن دفاعا” عنها .
وليشهد التاريخ قيامة فلسطين وليشهد لبنان أن جورج عبدالله عاد حقا” عاد .



