أخبار فنية

حين أراد الله رسم لبنان… أهدانا حسن الجوني.

من قريةٍ مطلّةٍ على الجهات كلّها “رومين”، وفي شارعٍ صاخبٍ على أكتاف بيروت “زقاف البلاط” وُلد حسن الجوني لا كأيّ طفل، بل كوميضٍ صغير تسرّب من قنديلٍ قديم، سكن قلب لبنان ومشى على حوافّ الحلم. من بين أغصان الزيتون وترابها شمخ المارد الجنوبي ينحت الظلال بأصابعه الصغيرة، يرسم الشمس على وجه أمّه، ويحوّل الغيمات إلى طيور ربما كانت صدفة وربما مشيئة الله أن يكون المنزل الذي ولد فيه وعاش فيه ملاصقا” لمنزل عائلة السيدة فيروز وكانت غرفته ملاصقة لغرفتها وحمل في وجدانه أحاسيس دندنتها لتمتزج روحه بذلك الصوت الشجي الذي يحمل الحزن والدراما الممسوكة.

لم ينتظر حسن الجوني الأقدار، بل ذهب إليها. حمل حقيبة صغيرة من الورق، وبحرًا من الأسئلة المخبأة بين حروف الأحلام، وأبحر إلى روما و لم يكن يعلم أن هذه المدينة الخالدة ستنحني ذات يوم أمام ريشته. هناك، تعلم كيف يُمزج اللون بالصرخة، وكيف تُدارس اللوحة كما تُدارس الحياة. لم يطلب إقامة في أوروبا، بل هو من منحها هويةً جديدة: هوية الفنان الحرّ كيف لا وقد صرخ في مسارحها ومعارضها ومتاحفها أنا سيد هذا العالم أنا سيد هذه الألوان.

كان يجلس طويلًا في مرسمه، صامتًا كناي، ثم ينفجر على القماش كما تنفجر القصيدة في قلب الشاعر لا يرسم للفن فقط، بل يرسم ليصعق. لا يرسم الوجوه، بل يرسم ما خلفها. لوحة منه، كافية لتسقط أقنعة، وتعيد تعريف الجمال والوجع والوطن.

ليس “فنان لبناني” فقط كما أراد البعض اختزاله، هو ابن الكون كلّه. لا يُشبه أحدًا، لكنه يذكّر بكبار البشرية الذين رفضوا أن يكونوا ديكورًا في صالونات السلطة.

هو مارِدٌ بريشةٍ من لهب، يخطف الواقع من بين أضلاعنا، ويحبسه في لوحته إلى أن نراه. لا يرسم لينجو، بل لينقذ الآخرين.

حين رأى بيروت تنزف، على أيدي السياسين ، رسمها أميرة بين يديه وحافظ على ملامحها في لوحاتها وكأنه أراد أن تنتصر بجمالها على من يريدون تغيير وجهها فخلدها داخل لوحاته و حين رأى الجنوب يحتضن النار، رسمه صمودًا بصريًّا، أغلى من كل الخطب جسده فارسا” أسطوريا” يعارك تنين النار بالنور مزخرفا” بألوان النصر.

على باب مرسمه… كتب عبارته الشهيرة التي يستقبل بها الزائرين :

“أنا رسمت لوحتي كفنان وقدمتها لكم كنبي “.

في مرسمه الملاصق للمنارة و المطلّ على موج لا يهدأ، عاش كحارسٍ للبحر يستقبل ضيوفه وأصدقائه ولعل أبرزهم كان الأستاذ طلال سلمان والذي رثاه بكلمة كادت أن تكون لوحة ” صديقي الراحل طلال سلمان و أنت اليوم ترافق الموت الى مثواك الأخير ترتبك الذكريات التي جمعتنا اول العمر… أنت تبحث عن “عباره” و انا ابحث عن “لون” و ها انا اليوم امام كينونتك الانسانية العميقة التي تركتها لي إرثاً حضارياً نادراً يسكن في بالي الى الأبد.وداعاً.. “

كل مساء، يطفئ الشمس بنفسه، ويغطي بيروت بوشاحٍ من ألوانه، كي تنام آمنة في حضن قماشه ويحلق بين النجوم حالما” ليعود في الصباح متأبطا” خيوط الشمس.

الشهيد رفيق الحريري… والرجل الذي لم يُشبه أحدًا

لم يكن حبّ الشهيد رفيق الحريري له مصادفة. كان يرى فيه رجلاً يشبه حلم الدولة، وحلم النهوض، وحلم الصدق. كان يكنّ له احترامًا كبيرًا، وكان يردد دائمًا أن الجوني لا يرسم كما يُراد له، بل كما ينبغي أن يكون.حسن الجوني، بالنسبة إليه، لم يكن رسامًا فقط، بل ضميرًا بصريًّا للوطن، رجلًا خلقه الله كي لا يُنسى وجه لبنان ولذلك كان يصطحب معه لوحاته ليقدمها إلى دول العالم وكأن الرئيس الشهيد أراد لوجه لبنان الحضاري أن يرفع في قصور الدول مخلدا” بريشته.

فنان فوق التصنيف

هو ليس بيكاسو الشرق، ولا ابن مدرسة كلاسيكية هو مدرسة وحده.هو “عالمي “يعيش بيننا هو جبران الفن، وصرخة من صرخات الخلود.أعماله لا تُعلّق فقط، بل تُقرأ، تُبكى، وترتل.

لا يمكن أن ترى فنان في أي دولة في العالم أو أن تشارك في أي معرض أو مؤتمر دولي و يقرأون “الجوني” على شارتك ولا يسألونك عنه .

موهبة لا تكرّر، أُهديت لنا من الله، لتذكّرنا بأن لبنان لا يُختصر بطائفة أو منطقة، بل يُرسم وطنًا، شعبًا، غضبًا، ومطرًا.

كل بيت لبناني جسده الجوني لوحة من وجعه.و في كل روح لبنانية رسم ظلّ من بصمته.

في قلب بيروت، سيبقى حسن الجوني، مستيقظا” يرسم شوارعها و بيوتها و شمسها ويجسد عظمتها ويغفو مطمئنًا فقط حين تنام في لوحاته وتبحر نحو العالمية وعلى تراب الجنوب وبين أغصان أشجاره سيبقى يمشي بخطوات أثقلها الزمن سيعيد ترتيب الكون في مخيلته كل يوم ،يوما” ما قال أمامي الفنان هو إبن المكان و الزمان والإنسان ،أعذرني يا “أبو علي” أنت الزمان وأنت المكان وأنت البشرية في ريشة عبقري من جنوب لبنان .

تحية خاصة:

المبدع والأسطورة والظاهرة الرسام حسن الجوني “أبوعلي”،أجمل شعور بالكون ممكن يحس فيه إنسان هو لما يفوت على أضخم متاحف العالم وعواصم العالم ويشوف إسمك ،إنت عارف شو عامل ،إنت عم يدرسوك بأعظم جامعات العالم ،إنت عالمي شكرا” لأنك خلدت إسمك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى