الجريدة

فخامة الرئيس جوزيف عون… بين “ورقة باراك” ١٩٨٢ و”ورقة باراك” ٢٠٢٥ “قصقصة الورق بتعمل جمهورية من ورق”:

في التاريخ الحديث للبنان، لم تغب الأوراق الأميركية عن طاولة الأزمات. ففي أعقاب اجتياح ١٩٨٢، حمل الموفد الأميركي موريس درايبر ومعه “ورقة باراك” الشهيرة التي صيغت تحت ضغط الاحتلال الإسرائيلي، محاوِلةً فرض اتفاق أمني وسياسي على لبنان، انتهى لاحقًا باتفاق ١٧ أيار المشؤوم. يومها كان الهدف المعلن هو “تنظيم الانسحاب الإسرائيلي”، فيما الجوهر كان تكبيل سيادة لبنان وربط أمنه الداخلي بتفاهمات مع العدو. رفض اللبنانيون، وارتفعت أصوات المقاومة، وسقط الاتفاق تحت ضغط الشارع والوحدة الوطنية.

اليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود، يعود المشهد ذاته بوجه آخر: “ورقة توماس باراك” التي طرحت في صيف ٢٠٢٥، لا تقل خطورة عن ورقة الثمانينيات. فهي تُعيد إنتاج الفكرة نفسها: انسحاب إسرائيلي مشروط مقابل نزع سلاح المقاومة وتسليم أوراق القوة اللبنانية إلى الخارج، ممهّدة لاتفاق أمني-اقتصادي يرهن البلاد.

لكن الفارق الجوهري أنّ لبنان اليوم يملك تجربة مريرة مع مثل هذه الطروحات، ويملك دستورًا ورئيسًا أقسم أمام اللبنانيين على صون السيادة والالتزام بالوحدة الوطنية.

التناقض مع خطاب القسم:

فخامة الرئيس، إن خطاب قسمكم كان واضحًا:

١-الحوار الوطني الداخلي هو السبيل الوحيد لمعالجة الاستراتيجية الدفاعية، لا الإملاءات الخارجية.

٢-السيادة خط أحمر، وأي دعم دولي لا يمكن أن يُقدَّم مشروطًا على حساب حق الشعب في الدفاع عن نفسه.

٣-الوحدة الوطنية هي الثروة الأغلى، ولا بديل عنها، وأي فتنة داخلية تُسقط أي مشروع اقتصادي أو إصلاحي.

أما ورقة باراك (سواء درايبر عام ١٩٨٢ أو توماس باراك عام ٢٠٢٥) فهي تتناقض مع هذه المبادئ بشكل صارخ، لأنها تسعى لفرض توقيت وجدول خارجي على قرار لبناني داخلي.

لا بديل عن الحوار

إن أي خطة أو ورقة أو تفاهم لا يمكن أن يكتب لها النجاح ما لم تستند إلى:

١. الحوار الوطني الشامل بجلسات مفتوحة حتى التوصل إلى “الدخان الأبيض”.

٢. التمسّك بتطبيق القرارات الدولية أولًا وعلى رأسها ٤٢٥ و ١٧٠١ التي تفرض انسحاب إسرائيل الكامل قبل أي نقاش آخر.

٣. الحفاظ على سرّية القدرات العسكرية للدولة، لأنها جزء من سيادتها، ولا يحق لأي قوة خارجية إلغاؤها أو كشفها.

٤. الاعتراف بحق الشعب اللبناني المشروع بالدفاع عن نفسه، وهو حق منصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة.

كلمة إلى فخامة الرئيس :

فخامة الرئيس، إن الانطلاقة الحقيقية للعهد لا تُبنى على أوراق تُشبه أوراق الماضي، بل على حوار داخلي يجمع كل المكوّنات اللبنانية. لا أحد يستطيع أن يفرض على لبنان معادلة جديدة بالقوة.

وحتى الدول التي تطرح اليوم هذه الأوراق ستجد نفسها، إن لم تجد سبيلًا إلى فرض الشروط، مضطرة لمحاورة الثنائي الشيعي مباشرة، وعندها سيفرض شروطه كما فعل التاريخ مرارًا.

الوحدة الوطنية وحدها هي السقف، وأي دعم اقتصادي لا يعادل أهميتها. الاقتصاد يُبنى، أما الوطن إذا انكسر فلن يلتئم.

ورقة باراك” الأمس سقطت بوعي اللبنانيين

و”ورقة باراك” اليوم ستسقط أيضًا إذا تمسكنا بما جاء في خطاب القسم: الحوار، الوحدة، السيادة، وتطبيق القرارات الدولية.

هذه هي الطريق الوحيدة لحماية لبنان من الفتنة ومن الوصاية، ولإطلاق عهد جديد يليق بالشعب والدولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى