
في لحظة لبنانية تقف على حدّ السيف، وتختلط فيها خطوط النار بخطوط التفاوض، يجد لبنان نفسه أمام منعطف شبيه بما جرى في ثمانينيات القرن الماضي: بين نهجٍ يكرّس خيارات ١٧ أيار، ونهجٍ صاغ ملامحه نبيه برّي في انتفاضة ٦ شباط، حين انتصر الجنوب على منطق الإملاء، وحُسمت هوية لبنان بالدم والصمود.
واليوم، ومع تكليف سفيرٍ سابق بمهام تفاوضية “تقنية”، كما حصل في العام ١٩٨٢ حين كلف لبنان السفير السابق في الفاتيكان أنطوان فتال أصبح واجبًا وطنيًا أن نتوجّه بدعوة واضحة وصريحة
“إلى دولة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه برّي: استدعِ الوفد المفاوض، وارسم بنفسك استراتيجية التفاوض.
ليس من باب الشخصنة، بل من باب الحقيقة البديهية: لأنك الوحيد الذي يملك الوكالة الوطنية من جميع أطياف المقاومة، والوحيد القادر على تحديد سقف التزام حزب الله بأي اتفاق أو عدم التزامه.
ولأن قرار الجنوب بيدك أيضا”، ولأن الجنوب مع نبيه بري ونبيه بري مع الجنوب كيفما دار .
إنّ ما يطرَح اليوم سواء تعيين سفير للتفاوض مع العدو، أو اقتراح لجنة أمنية أميركية إسرائيلية لبنانية، أو الحديث عن “منطقة اقتصادية مشتركة” يعيدنا إلى العناوين نفسها التي سبقت اتفاق ١٧ أيار. وفي المقابل، ثمّة ذاكرة وطنية زاخرة: انتفاضة ٦ شباط التي فرضت الانسحاب الإسرائيلي من دون قيد أو شرط، ومن دون المسّ بسيادة الجنوب، وصولًا إلى تحرير عام ٢٠٠٠، والذي لم يكن ليكتمل لولا وحدة الموقف تحت سقف المقاومة والتحرير بالدم والصمود.
الدور التقني: إطارٌ لا يتجاوزه أحد
الدور التقني لا يصنع قرارًا، ولا يفاوض على سيادة، ولا يوقّع على مستقبل وطن.
هو دور خبير يساعد، لا صاحب قرار يلتزم.
وظيفته محصورة بجمع الوقائع، وتقديم المعطيات، وصياغة الآليات التقنية، تمامًا كما جرى في اتفاق نيسان ١٩٩٦ وفي رسم الخرائط بعد تحرير ٢٠٠٠.
أمّا وقف النار، الانسحاب، الأسرى، الترتيبات الأمنية، والمناطق الاقتصادية… فهذه قضايا سيادية عليا لا يقترب منها أي وفد تقني مهما علا شأنه.
والخطر الأكبر أن يُترَك السفير المكلّف تحت ضغوط الخارج واستهداف الداخل، بلا مرجعية وطنية جنوبية سياسية تقوم بالتوجيه وتحمي الوطن من انزلاق خطير.
اللحظة تحتاج قائدًا لا موظفًا… وتحتاج برّي بالاسم لا بالصفة
لأن نبيه برّي ليس مجرّد رئيس مجلس نواب، بل صانع محطات مفصلية في تاريخ المواجهة والتفاوض: من إسقاط ١٧ أيار، إلى صوغ اتفاق نيسان، إلى حماية الجنوب بعد تحرير ٢٠٠٠، إلى تثبيت معادلات ١٧٠١.
ولأنه ضمانة الجنوب، وميزان العلاقة بين الدولة والمقاومة، وصاحب الكلمة الفصل في أي التزام يتعلق بالسلم والحرب.
إنّ اللحظة الحالية لا تحتمل التجارب ولا المغامرات.
إما أن يقود برّي المسار فيحوّل اللحظة إلى ٦ شباط سياسية تحفظ السيادة وتثبت المعادلة،
وإمّا ينزلق لبنان بلا غطاء نحو ١٧ أيار جديد يُصنع في غرف مغلقة وتحت رعاية لجان أمنية غريبة عن روحية لبنان وتضحياته.
دولة الرئيس… هو الجنوب ينادي
قبل أن يكتب الآخرون مصيرنا…
قبل أن يتحوّل التفاوض إلى أداة ضغط…
وقبل أن يُختصر تاريخ الجنوب في ورقة “تقنية” أو لجنة أمنية مشتركة…
نرفع صوت الجنوب:
آن الأوان لصناعة ٦ شباط جديدة، سياسية ووطنية، تحمي الجنوب… وتحمي لبنان من الوقوع مجددًا في فخّ ١٧ أيار.



