خاص | ابن البلد نيوز

ملف «اللبنانية»: حين تُدار الملفات الحسّاسة بعقلية الأزمة… فتُقفل الأبواب بدل فتحها

في الدول التي تحترم مؤسساتها، تُدار الملفات التربوية الحسّاسة بعقول جامعة، لا بعقليات ارتجالية. أمّا عندنا، ففي كل أزمة مصيرية، يُصار إلى تعيين أشخاص في مواقع دقيقة، فيظهرون دون مستوى التحدّي، فيحوّلون الفرص إلى أزمات، والحلول إلى طرق مسدودة.
وهكذا، بدل أن تُعالَج القضايا بحكمة، تُدار بمنطق «بدل ما يكحّلوها… عمّوها».

هذا تمامًا ما حصل في ملف تفريغ الأساتذة المتعاقدين في الجامعة اللبنانية، الذي كان يُفترض أن يكون خطوة إنقاذية تعيد الاعتبار للتعليم الرسمي، فإذا به يتحوّل إلى نموذج فاقع عن سوء إدارة، وازدواجية في المعايير، وغياب العدالة، وعودة مقلقة إلى منطق القيد الطائفي في مؤسسة لا يجب أن تحمل إلا هوية واحدة: الهوية اللبنانية.

آلية مشوّهة ومعايير مزدوجة

ما أوصل ملف التفريغ إلى الطريق المسدود لم يكن المبدأ، بل الآلية التي اعتُمدت، بمعايير غير واضحة وغير متجانسة، لا تستند إلى قانون ولا إلى أعراف جامعية معمول بها عالميًا.
فُرض شرط النصاب الكامل لسنتين متتاليتين، وشرط مطابقة الاختصاص حرفيًا، رغم أنّ النصاب يختلف أصلًا بحسب الرتب الأكاديمية: ٢٢٥، ٢٥٠، ٢٧٥ ساعة. ومع ذلك، جرى التعامل مع الجميع وكأنهم في قالب واحد، من دون مراعاة للحاجة الفعلية ولا للواقع الأكاديمي.

هذه المقاربة حرمت أساتذة خدموا الجامعة سنوات طويلة من حقهم الطبيعي في التفرغ، وأقصت كفاءات كان يمكن أن تشكّل رافعة علمية حقيقية، وأنتجت خللًا فاضحًا في النتائج، تُرجم بأرقام صادمة: ٪٧٠ مقابل ٪٣٠.
نِسَب لا يمكن تبريرها علميًا أو أكاديميًا، بل فقط بآلية غير عادلة أعادت فتح باب الطائفية في ملف يفترض أن يكون وطنيًا بامتياز.

وأي استثناء طائفي من معيار معيّن، بدل تصحيح الخلل، هو تكرّيس للازدواجية وضرب مبدأ المساواة بين المواطنين المنصوص عليه في مقدمة الدستور اللبناني. فالعدالة لا تُجزّأ، وأي معيار ظالم يجب تعديله أو إلغاؤه على الجميع.

الجامعة اللبنانية: هوية واحدة لا تقبل القسمة

الجامعة اللبنانية ليست إدارة محاصصة ولا دفتر قيد مذهبي.
هي المساحة الوطنية الجامعة الأخيرة، وأي محاولة لإدخال الطائفية إلى معاييرها الأكاديمية هي تدمير مباشر لفكرة الجامعة، وضرب لما تبقّى من ثقة بها وبالتعليم الرسمي.

ندء وطني عاجل:

أمام هذا الانسداد، لا بدّ من مبادرة وطنية عاجلة يقودها رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، لاحتضان الجامعة اللبنانية، وانتشال ملف التفريغ من مساره الفاشل، عبر لجنة مستقلة من التربويين، ومعايير واضحة قائمة على الحاجة والكفاءة والعدالة فقط.

كما تقع مسؤولية مباشرة على رابطة الأساتذة والمكاتب التربوية للمبادرة إلى طرح حلول عادلة، وفتح حوار تربوي وطني يمنع أي تفرد بالقرار.

لم نعد نحتمل أن تُدار المؤسسات التربوية بعقليات محدودة تُفاقم الأزمات بدل معالجتها، وتُدمّر الصروح بدل تحصينها.
والأخطر أنّ المرجعيات التي تختار هذه الإدارات ، والتي من المفترض أن تعمل وفق خطها ونهجها وعقيدتها ونتيجة سوء آداء هذه الإدارات و القرارات العبثية التي تأخذها فتعيث استبدادًا،و تُسجَّل النتائج في حساب تاريخ هذه المرجعيات وهذا ما لم ولن نقبل به إطلاقا” وسنحمل كل شخص مسؤولية سوء قراراته الإدارية قانونيا” وتاريخيا”.

إن ترك الجامعة اللبنانية رهينة آليات فاشلة ومعايير ظالمة هو تفريط بآخر مساحة وطنية جامعة.
فهل قدرها أن تُوأد حيّة في مقبرة الطائفية، أم أنّ هناك من يملك الجرأة لإنقاذها الآن؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى